حتى لا يميل سنام صناعة المال الإسلامية
بدأت صناعة المال الإسلامية بخطوات ثابتة، وبعد أن تمكنت من الأسواق بنسب نمو تجاوزت 20 في المئة وقبل أن تبلغ سنا تستطيع من خلالها أن تتباهى أمام الصناعات المالية التقليدية، بدأت تكبو غالبا بسبب التلاعب بالمنتجات والسعي لمشابهة المنتجات التقليدية وتجاهل عنصر الابتكار، والسبب الأهم تباين الفتاوى بين منطقة وأخرى حتى أصبحت بعض الدول تقوم بتفصيل منتجات خاصة لمناطق لا تعترف بمنتجاتها من الناحية الشرعية. ولا شك أن في ذلك على المدى الطويل مخاطر لا يمكن تجاهلها، ومع تصاعد عنصر المخاطر السياسية بات من المهم الحفاظ على منجزات الصناعة من خلال سنامها المتمثل في الهيئات الشرعية.
نحتاج إلى صوت أصحاب رأس المال لأنهم صناع القرار في هذه الصناعة وغيرها؛ لأن يكونوا أصحاب رؤية تعقبها قرارات تستطيع أن تحفظ لهذه الصناعة مستقبلها، وتميز صناعة المال الإسلامي عن غيرها بضبط المنتجات والتعامل بضوابط المعاملات المالية في الفقه الإسلامي، بالتوازي مع التركيز على الحاجة للتطوير وإبراز ميزات صناعة المال الإسلامية وقدرتها على تطوير واقعها وتذليل التحديات.
إن الخطوات الأولى التي تضمن لسنام هذه الصناعة الثبات هي وضع الأنظمة والتعليمات الخاصة بالهيئات الشرعية بداية بإدماجها في الأنظمة الداخلية للمؤسسة المالية كجزء لا يتجزأ من طبيعة المعطيات الداخلية للمؤسسة المالية، وبيان خصائص أعضاء الهيئات الشرعية وضمان استقلاليتهم وكفاءتهم؛ من خلال مؤهلات تجمع بين فقه المعاملات المالية الإسلامية والخبرة العملية في المجالات المصرفية والمالية، وألا تكتفي المؤسسات بالبحث عن الأسماء اللامعة، التي غالبا ما يكون فيها تضارب مصالح بسبب مساهمة هؤلاء الأعضاء في المؤسسات المالية الذين هم على رأس الهيئات الشرعية فيها، وحتى نُجسّر بين الواقع الحالي الذي يفتقر إلى كفاية أصحاب الخبرات المذكورة ونقص أعدادهم مقارنة بعدد المؤسسات؛ كنا قد اقترحنا سابقا ذراعا تابعة لمجمع الفقه الإسلامي الدولي من شأنها أن تضع معايير مهمة بشأن الفتاوى وتوحيدها وابتكار المنتجات، وأن يتم الاعتراف بإلزامية قراراتها من خلال الدول الأعضاء في المجمع.
إن بداية خطوات التغيير المدروس تتطلب شجاعة ومبادرة من المؤثرين في القرارات للمؤسسات المصرفية؛ وعلى رأسها البنوك المركزية، وقد كان وما زال للبنك المركزي الماليزي دور مهم في ضبط الرقابة الشرعية على البنوك الإسلامية في ماليزيا. وبالرغم من التساؤل الشرعي الذي لا يستهان به على المنتجات التمويلية والاستثمارية الإسلامية في ماليزيا؛ إلا أن الهيئة الشرعية المركزية تستطيع الرد من خلال أدلة تصدر عنها ـــ وإن كانت لا ترتقي إلى الصمود أمام الردود عليها، إلا أن ما يعنينا هنا أن الرد يأتي مرتكزا على جهة مركزية موحدة تدعمها الهيئة الإشرافية العليا في الدولة ـــ ولا تصدر من هنا وهناك لتتسبب في تشويش الباحث المتخصص، إضافة إلى العملاء والمستثمرين.
أما في السودان فإن الهيئة الشرعية المركزية ـــ وهي الأولى من نوعها على مستوى العالم ـــ كان لها دور فاعل في ضبط المنتجات من الناحية الشرعية؛ وذلك من خلال استشعار الجهات المالية التي تُدير السياسة النقدية والمالية في الدولة إلى استحداثها. وقد هدفت هذه الهيئة من خلال بنك السودان المركزي إلى مراقبة ومتابعة مدى التزام البنوك والمؤسسات المالية بتطبيق الصيغ الاسلامية في المعاملات وإصدار الفتاوى والأحكام فيما يتم عرضه عليها من اختلافات؛ وعليه تم إصدار عديد من المنشورات لضمان دور إدارات الرقابة المصرفية وإدارات المصارف في الميدان لمراجعة كافة الأعمال من الناحية الشرعية مع هيئة الرقابة الشرعية المستقلة لكل مؤسسة، كما أصدر البنك المركزي منشورات على هيئة مراشد فقهية ملزمة للبنوك، تتعلق بصيغ التمويل الإسلامي، وعزز ذلك بتطوير آليات للرقابة المصرفية والشرعية للعمليات المصرفية من خلال أنماط رقابة تتنوع بين الرقابة الميدانية من خلال فريق ميداني مُشكّل من المتخصصين في العمل المصرفي وآخرين متخصصين في التفتيش الشرعي، أما الرقابة غير المباشرة فتتم من خلال آليات إلكترونية.
وقد أصدر بنك السودان المركزي لائحة للجزاءات الإدارية والمالية لمعاقبة المتجاوزين، قد تصل إلى حد سحب رخصة البنك أو وقف كبار الموظفين عن العمل في الجهاز المصرفي.
تلك الأمثلة تؤكد قناعة القائمين على إنجاح العمل المالي المؤسساتي، بأهمية دور الجهات الإشرافية في تبني خطوات حقيقية لمواجهة أهم التحديات التي تواجه العمل المالي الإسلامي، وبلا شك فإن الوقت لا يعمل لصالح التسويف في أخذ قرارات استراتيجية في هذا الاتجاه.
إن تأسيس مؤسسة أكاديمية بحثية لتهيئة الكوادر الشرعية المصرفية بات ضرورة ملحة، والمؤسسات القائمة سواء في العالم العربي أو في ماليزيا لا تلبي احتياجات الراغبين في الانضمام بشكل كاف؛ إما من حيث الموقع وإما من حيث الاعتراف بالمؤسسة؛ لذلك فإن الارتقاء بالعمل المالي الإسلامي يتم من خلال الاهتمام بالمحور البشري وتأهيل الكوادر المنفتحة على الآراء الفقهية والقادرة على الترجيح والاجتهاد، ولا يمكن أن نكتفي فقط بمؤسسات معنية بوضع معايير محاسبية أو مصرفية بحتة وإنما نحن بحاجة لمؤسسة أكاديمية عالمية يجتمع الفكر تحت ظلالها وتستطيع تخريج كفاءات تجبر النقص في الكوادر، وتوفر مظلة أكاديمية معترف بها تستطيع الحفاظ على التخصصية والربط بين فقه المعاملات المالية والاحتياجات التمويلية الاستثمارية المعاصرة.
إن رؤوس الأموال التي تصدر إلى الخارج بحجة الاستثمار الآمن والمحسوبة على المال الإسلامي تحتاج إلى إعادة نظر في كيفية تخصيصها وفي أي نوع من الاستثمارات. وهل هي استثمارات تخدم مستقبل الصناعة أم تعد مجرد ردود فعل آنية على المتغيرات الحالية لضمان تقليل المخاطر والربح قدر الإمكان؟
إن سنام الصناعة اليوم ـــ وأكثر من أي وقت مضى ـــ بحاجة للتركيز على التحديات وآليات المعالجة بما يضمن مستقبلا مبنيا على مبادئ ومقاصد المعاملات المالية الإسلامية، وبما يفتح الباب للاستمرار بثبات.