السويلم: الاهتمام بالجوانب الفقهية في المسائل البحثية للاقتصاد الإسلامي مطلب حيوي
دعا خبير الاقتصاد الإسلامي الدكتور سامي بن إبراهيم السويلم إلى ضرورة تضافر الجهود لتطوير العمل البحثي في مجال الاقتصاد الإسلامي، والتركيز على الجوانب الفقهية والاقتصادية في المسائل البحثية المتعلقة به، من أجل تطوير البحوث مستقبلاً، واقترح السويلم في ورقة بحث حملت عنوان «استراتيجيات أبحاث مستقبلية» تبني عدة مقترحات عملية ونظرية من أجل ضرورة متابعة مستجدات علم الاقتصاد أولاً بأول، ونشر ملخصات ومراجعات تطوراته بصفة دورية.
وقال السويلم الذي يشغل منصب مدير إدارة تطوير المنتجات المالية الإسلامية في البنك الإسلامي للتنمية، خلال الندوة التي عقدتها الهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل، من أجل وضع خريطة مستقبلية للبحوث: إن هناك عدة مجالات ينبغي التركيز عليها في البحث مستقبلاً، وقد لخصها في شقين: فقهي واقتصادي، ففي الشق الفقهي ذكر فقه السيرة النبوية، وفقه الإجماع، وفقه المقاصد، وفقه المنهيات، والاجتهاد الجماعي وإدارة الفتوى، والفروق والتقاسيم؛ حيث ذكر مزيدا من التفاصيل حول هذه النقاط. ففي فقه السيرة أكد أنه مع عناية المعاصرين بصحيحه، أصبح اليوم لدينا مصادر مستوعبة لأبواب السيرة المطهرة موثقة بنصوص صحيحة أو حسنة الإسناد، ما يمكن أن يحتج به للأحكام الفقهية. وأضاف: إن السيرة المطهرة غنية بالفروع الفقهية التي يمكن فهمها وتنزيلها على الواقع من خلال فهم سياقها والظروف التي حفت بها. كما أنها تحفل بمسائل قد لا تعتني بها كتب الفقه المعروفة، ويكفي أن نعلم أن عقد «المواساة» الذي بموجبه آخى النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ بين المهاجرين والأنصار (ورواه البخاري)، هو أساس التأمين والتكافل الإسلامي، ومع ذلك لا تكاد تجد له ذكراً في المصادر الفقهية التقليدية. ومضى قائلاً: «كما تبين السيرة النبوية فقه التدرج في التشريع وفي التطبيق على أفضل منوال، وهو أيضاً مما لا تعتني به المصادر التقليدية، فالسيرة والأحكام المستمدة منها مجال خصب للبحث المثمر في مجال المعاملات المالية، وتستحق عناية مهمة لكثرة ما تحتويه من المعاني والعبر والتفاصيل الدقيقة».
وفي فقه الإجماع، دعا السويلم إلى دراسة المسائل التي أجمع عليها علماء الفقه الإسلامي، وقال: إن دراسة مواطن الإجماع في الفقه الإسلامي لها أهمية خاصة لعدة اعتبارات منها: أنها معتمدة عند جميع المذاهب، فهي تدخل في مختصرات ومتون المذاهب عند الجميع، وإن كان بعبارات مختلفة، لكنها متفقة من حيث المعنى. فدراسة هذه المسائل لا تخل بالدراسة المنهجية وفق أحد المذاهب المعتمدة، بل هي تسهم في جمع الكلمة ووحدة الصف، كما أن دراستها تبين الدائرة التي لا تخرج عنها المذاهب المختلفة، مهما تنوعت الأقوال والآراء. فالفقه المقارن حينما يدرس الخلاف فهو مقيد ومحاط بدائرة الإجماع. فمسائل الإجماع من جهة تدخل في مرحلة البداية، وهي من جهة أخرى تمثل مرحلة النهاية لمسائل الفقه الإسلامي. وأضاف في الاعتبارات: إنه بسبب غياب التركيز على مسائل الإجماع نشأ بعض التصورات الخاطئة، مثل القول إن مسائل الخلاف أضعاف مسائل الإجماع. وهذا من الشبهات التي يثيرها المشككون في قيمة الفقه الإسلامي منذ القدم.
وفي السياق الفقهي أيضاً دعا السويلم إلى دراسة فقه المنهيات، فالأصل ـــ كما قال ـــ في أبواب المعاملات هو الحل، حيث أكد على ضرورة تركيز دراسة فقه المعاملات على المنهيات التي وردت بها نصوص الشرع. لأن تحقيق اجتناب هذه المنهيات يعني عدم الحاجة إلى دليل خاص على المشروعية لأن الأصل الحل. وفي جانب الاجتهاد الجماعي وإدارة الفتوى قال السويلم «بحسب علمي توجد بعض المقررات في مرحلة الدراسات العليا لتدريس» الاجتهاد الجماعي، لكن هذه المادة تستحق في تقديري أكثر من ذلك، فأصول الشريعة الإسلامية تحض كثيراً على التعاون والجماعة، وإن كانت مع ذلك تؤكد حرية الرأي والاجتهاد»، وأضاف «ليس المقصود بالاجتهاد الجماعي مصادرة حرية الاجتهاد لمن ملك أدواته، وإنما تنسيق هذا الاجتهاد للتوصل إلى الحد الأدنى من الاتفاق، وفي هذا السياق أشار السويلم إلى أن تطور وسائل الاتصال والإعلام وعلوم الإدارة من جهة، وتعقد جوانب الحياة المعاصرة من جهة أخرى، يدفعان الجميع إلى توظيف العلوم الإدارية الحديثة، مثل فن إدارة الاجتماعات وآليات اتخاذ القرار، في تطوير عمل أجهزة الفتوى والبحث الفقهي، وقال: إن المجامع الفقهية والهيئات الشرعية المختلفة قدمت نماذج طيبة في الاجتهاد الجماعي وإدارة الفتوى، لكن الموضوع يحتاج إلى تأصيل هذه التطبيقات وتوثيقها من جهة، وتطويرها من جهة أخرى، حيث يتم دمج ما قرره العلماء حول آداب المفتي والمستفتي مع التطبيقات المعاصرة للاجتهاد الجماعي والفتوى المنظمة، في ضوء علوم الإدارة الحديثة، للتوصل إلى علم متكامل لإدارة الفتوى يرقى إلى المستوى اللائق بكمال الشريعة المطهرة في تنظيم الحياة المعاصرة.
من ناحية أخرى دعا خبراء في الاقتصاد الإسلامي إلى رسم خريطة للأبحاث المختصة بعلم الاقتصاد الإسلامي، وذلك في محاولة لوضع استراتيجية مستقبلية للبحث في عديد من المواضيع المتعلقة بهذا الاختصاص. جاء ذلك خلال حلقة النقاش التي نظمتها الهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل بالتعاون مع كرسي "سابك" لدراسات الأسواق المالية الإسلامية، وتناولت حلقة النقاش عديدا من القضايا منها: ''خارطة بحوث الاقتصاد الإسلامي'' قدمها الدكتور محمد بن إبراهيم السحيباني أستاذ كرسي ''سابك'' لدراسات الأسواق المالية الإسلامية، و''تقسيمات علم الاقتصاد'' قدمها كل من الدكتور عبد المحمود عبد الرحمن عضو هيئة التدريس في جامعة الملك سعود والدكتور رجا بن مناحي المرزوقي كبير الاقتصاديين في شركة الخبير المالية.
وأكد المشاركون أهمية الاجتهاد لوضع خريطة بحثية في الاقتصاد الإسلامي وتنفيذها من خلال توفير الآليات اللازمة المتمثلة في الحوافز المالية وغير المالية التي يمكن أن توجه البحوث للأولويات حسب هذه الخريطة، حيث أكد الدكتور محمد السحيباني أن سوق البحث تتميز بالديناميكية في جانب الطلب، وأن المشكلات التي تواجهها الدول والمؤسسات تلح على بحث ودراسة مسائل دون أخرى، وهذه المشكلات يصعب توقعها مسبقاً، وأضاف السحيباني أنه بالمقابل تتميز هذه السوق في جانب العرض بعدم المرونة بالنظر للوقت الذي يستغرقه بناء القدرات البحثية التي تميل للتخصص في موضوعات دقيقة. حيث دعا إلى ضرورة العمل بتركيز على حل وبناء هذه الاتجاهات بطريقة سلسة وسهلة التطبيق.
كما أكد الدكتور عبد الله العمراني الأستاذ المشارك في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود، على دور الهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل في رسم وبناء هذه الخريطة، وضرورة تضافر الجهود بمشاركة جميع المراكز البحثية المتخصصة، ودعا إلى ضرورة العمل على بحث الجوانب المختلفة في الاقتصاد الإسلامي وإيجاد مراكز بحثية متخصصة لاستخراج هذه الكنوز من التراث الإسلامي. من جانبه أكد الدكتور محمد العصيمي أهمية العمل على إيجاد حلول مؤسسية لكثير من المشكلات المتصلة بالاقتصاد الإسلامي، ودعا الهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل إلى تبني نشر ثقافة الاقتصاد الإسلامي والتعريف به من خلال كتيبات مبسطة تعمل على تقديم التفاصيل الاقتصادية المهمة المتصلة بحياة الناس.