خبراء اقتصاديون: السعودية قادرة على أن تكون محوراً للتمويل الإسلامي حول العالم
رغم اختلاف وجهات النظر حول آلية وأسلوب عمل التمويل الإسلامي في الوقت الراهن، ووجود قصور وتباين واضح في تطبيق الآليات بين المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية حول العالم، إلا أن هذا القطاع ينمو بوتيرة متسارعة جعلت منه محط أنظار البنوك الغربية.
ووفقاً لتوقعات الخبراء، بحلول عام 2020م سيصل حجم الأصول المالية الإسلامية حول العالم إلى نحو أربعة تريليونات دولار، فيما تقدر أصوله اليوم بتريليون دولار. وأكد خبراء الاقتصاد الإسلامي أن هذا القطاع يحتاج إلى توحيد الكلمة ووضع إطار مؤسسي وشرعي تسير عليه هذه الصناعة خلال الفترة المقبلة.
ولفت الخبراء إلى أن معظم البنوك الإسلامية اليوم يخلو هيكلها من إدارة للمشتريات، الأمر الذي يدل على أنها تبيع بقاعدة (درهم بدرهمين وبينهما ورقة)، وأن بعض هذه البنوك تعتقد أنها في حال لم توجد أدوات مشابهة للأدوات الغربية فهي متأخرة.
ورأى المختصون أن معظم الهيئات الشرعية تنظر فقط للآلية وتتجاهل المقصد والمآل، مطالبين مؤسسة النقد العربي السعودي بإنشاء هيئة رقابة شرعية موحدة.
وأكد صالح كامل رئيس مجلس الغرف التجارية الصناعية السعودية ورئيس غرفة جدة والخبير في التمويل الإسلامي، أن أفضل علاج للبطالة في العالم الإسلامي يتمثل في تطبيق الاقتصاد الإسلامي وأولها الزكاة وفق المصارف الثمانية.
وشدد خلال الجلسة العلمية الأولى في اليوم الختامي لمنتدى جدة الاقتصادي على دور هيئات الرقابة الشرعية لضبط عمل المصارف، وطالب بأن تسارع مؤسسة النقد العربي السعودي بتطبيق ذلك، وقال في الجلسة التي حملت عنوان (الاقتصاد الإسلامي) "توجد هيئة شرعية موحدة في السودان وماليزيا وعدد من الدول الإسلامية، ونطالب بأن تكون موجودة أيضاً في السعودية وتستند إليها مؤسسة النقد العربي السعودي، كما نطالب بوجود هيئة رقابة شرعية في كل مصرف حتى يطمئن المسلمون على أموالهم وودائعهم".
وأضاف أن البنوك الإسلامية عندما بدأت قبل 38 عاماً كانت رسالة وتجارة، حيث كانت تملك في ذاك الوقت مستودعات وتمارس البيع والشراء، لكن في الوقت الحالي لو نظرنا إلى الهيكل التنظيمي للبنوك الحالية لا توجد إدارة مشتريات.
وتوقع كامل أن يجري إطلاق البنك الإسلامي الكبير خلال العام الجاري 2011م بعد أن تم التجهيز له طوال الفترة الماضية، مشيراً إلى ضرورة أن تكون هناك هيئة للتصنيف الشرعي لكل الأدوات المطروحة في السوق ويعلن عنها للجمهور، وأضاف "التصنيف يقتضي إيجاد البديل الصحيح الذي لا يتأتى إلا عن طريق سوق للأوراق المالية الإسلامية التي تحمل أصولا منتجة ومدرة للدخل، وما لم نصل إلى هذه الصكوك وتكون الأوراق حقيقية وليست صكوكا سنضطر إلى بيع وشراء النحاس". فيما حظيت الجلسة الثانية بنخبة من قادة العمل المصرفي السعودي وعلى رأسهم عبد الله الراجحي الرئيس التنفيذي لمصرف الراجحي، مطلق المريشد نائب الرئيس التنفيذي لتمويل الشركات في شركة سابك، عبد الكريم أبو النصر المدير التنفيذي، همايون دار المدير التنفيذي للبنك الأهلي التجاري لـ BMB الإسلامية، فيما أدار الجلسة إقبال خان الرئيس التنفيذي لشركة فجر كابيتال.
وتحدث عبد الله الراجحي عما هو المطلوب لتحويل القطاع المالي السعودي إلى مجال التمويل الإسلامي، مشيراً إلى عدة تحديات تواجه ذلك؛ من أبرزها عدم وجود إطار مؤسسي، توسيع السوق، وصعوبة إدارة السيولة قصيرة الأجل.
#2#
وقال إن هناك قصوراً وتفاوتاً وضعفاً في الإجراءات في تطبيق مبادئ المصرفية الإسلامية، إلى جانب أن كل مؤسسة تتعامل بهيئة شرعية خاصة بها، وأضاف "الهيئات الشرعية ـــ وإن كانت عملت بشكل جيد في الآونة الأخيرة ـــ إلا أن هناك تضاربا في عدد من المنتجات، وذلك يقوض ثقة العملاء، لذا يجب توحيد المعايير الشرعية، فحجم التمويل ينمو بشكل مطرد وهو في حاجة إلى إطار مؤسسي والاتفاق على مبادئ مقبولة، كما أن المعايير الرقابية الصادرة من مجلس الخدمات المالية الإسلامية يمكن اعتمادها كإطار مشترك". ولفت إلى وجوب عرض المعايير قبل تبنيها على عدد كبير من الفقهاء وتبني تشريعات ومعايير محاسبية موحدة للمؤسسات المالية التي تربو على 40 معياراً، أما العائق لتطبيق تلك المعايير فيرجع في الأساس إلى أنها لا تتفق مع المعايير المحاسبية الدولية المتفق عليها ومن ثم يقع العبء الأكبر في نشر هذه المعايير. ولفت الرئيس التنفيذي لمصرف الراجحي إلى أن المطلوب للعمل المصرفي الإسلامي في العقد المقبل ما يتعلق بتوسيع السوق بالنسبة للأسواق التي ما زالت في البداية مثل إندونسيا وتركيا وشمال إفريقيا، التي من المتوقع أن تشهد قفزة كبيرة في مجال المصرفية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية.
وأردف "بالنسبة للأسواق الأكثر نضجاً مثل ماليزيا والسودان ودول مجلس التعاون الخليجي والسعودية تحتاج مؤسساتها لوضع استراتيجيتها، وينبغي التركيز على قطاع مصرفية الشركات وشركات الاستثمار والتكافل والمنتجات الأخرى الجديدة، فالقدرة على تقديم خدمات منافسة يعد العامل الحاسم لتحقيق نجاح في تلك الأسواق وكذلك إدارة الأصول التي يوجد فرصة للتوسع فيها كذلك تطوير العمل المصرفي في إدارة السيولة قصيرة الأجل؛ إذ ما زالت الصناعة تواجه عدم وجود منتجات كافية لإدارة هذه السيولة". وفي معرض حديثه عن دور المملكة في التمويل الإسلامي أوضح الراجحي أن حجم تمويل المصارف الإسلامية في السعودية يقدر بأكثر من 100 مليار دولار، مشيراً إلى أن الطلب قوي على عمليات إقراض المستهلكين، كما أن هناك عدداً متزايدا من الشركات التي بدأت تطلب بشكل أكبر منتجات إسلامية، ومن المتوقع أن يزيد مستقبلاً. وتابع "حينما نرى نسبة القروض المقدمة من المصارف الإسلامية أو التي عليها عمليات إسلامية في عام 2010 فقد وصلت نسبة إجمالي التمويل إلى 58 في المائة من إجمالي عمليات التمويل ـــ وهي النسبة العليا عالمياً ـــ مقارنة بنسبة 56 في المائة كانت في 2009 وقد ارتفعت بنسبة 2 في المائة في عام واحد".
واستطرد قائلا "إذا قارناها بماليزيا مثلاً لا تزال النسبة حتى الآن 16 في المائة ـــ وهو فرق كبير جداً ـــ وقد حققت السوق السعودية أكبر نسبة إصدار للصكوك إلا أنها في الواقع تفتقد السيولة، وهنا تبرز إشكالية تباين موقف المصارف الإسلامية من الصكوك، وهذا يقودنا مجدداً إلى ضرورة تبني معايير موحدة".
إلى ذلك، قدم مطلق المريشد نائب الرئيس التنفيذي لتمويل الشركات في شركة سابك نظرة عامة للتمويل الإسلامي قائلا "التمويل المصرفي الإسلامي ينمو سنوياً بنسبة تتجاوز 10 في المائة وهو البديل الوحيد للتمويل التقليدي، وإن التفكير في أننا جزء من العالم وعلينا تقديم بديل له". وأضاف "سابك أول من أصدرت الصكوك وهي تركز على التمويل الإسلامي وتقوم بتمويل المشروعات وهناك 70 في المائة من تمويلات سابك إسلامية وعلى البنوك أن تنوع محفظات ديونها سواء كانت إسلامية أو غير إسلامية".
وتحدث الرئيس التنفيذي لتمويل الشركات في شركة سابك عن الاتجاهات في التمويل الإسلامي قائلاً "علينا أن نراعي التنوع، نريد أن نتوخى المرونة مع أصحاب الصكوك، وعلينا إصدار مزيد من الصكوك، وهناك تحديات تواجه التمويل الإسلامي وتماثل أحكام الشريعة الإسلامية، وكل ذلك يربك الجميع، وفي معظم الأحيان أعتقد أن الجمهور يعرف أين الحلال وأين الحرام، وكذلك عملية التنفيذ، فيتعذر الأمر في الاتجاه للمستوى العالي، ومن النادر أن نجد أن محكمة غير إسلامية تصدر أحكاماً إسلامية، إذا علينا أن نأتي بحلول ومنتجات جديدة وتنويع منتجات السوق وإعادة الابتكار". من جانبه أكد عبد الكريم أبو النصر المدير التنفيذي للبنك الأهلي التجاري أن حجم قطاع المصرفية الإسلامية ارتفع من 260 مليون دولار في عام 2000م ليصل إلى تريليون دولار في الوقت الحاضر، مشيراً إلى أنه، على الرغم من حداثة المصرفية المتوافقة مع الشريعة، فإن المملكة أصبحت تحتل موقعاً متميزاً فيها.
وقال "إن نموذج المصرفية الإسلامية أصبح اليوم هو النموذج المهيمن على الخدمات المصرفية للأفراد، وتمثل المصرفية الإسلامية نحو 95 في المائة من مجمل أعمال مصرفية الأفراد في السعودية، كما تستحوذ على نحو 30 في المائة من إجمالي الموجودات المصرفية، وهناك حاجة لتطوير الأنظمة والقوانين بما يتلاءم مع نمو وتطور هذه الصناعة".
وأوضح أن الأزمة المالية العالمية أدت إلى تعزيز صورة العمل المصرفي الإسلامي، وتنامي الطلب على الحلول المصرفية الإسلامية من قِبل القطاع الخاص، لافتاً إلى أن السياسات المالية والنقدية التي انتهجتها مؤسسة النقد العربي السعودي "ساما" خلال الأزمة المالية الدولية أدَّت إلى تعزيز وحماية النظام المالي في المملكة، الأمر الذي أثمر نجاح البنوك السعودية في تجنُّب تداعيات الأزمة.
وبيَّن أبو النصر أن الأسهم المتداولة في السوق السعودية والمتوافقة مع الشريعة الإسلامية تشكل نحو 72 في المائة من رأسمال السوق، مبيناً الحاجة إلى إيجاد مؤشرات تداول متوافقة مع الشريعة الإسلامية.
وأشار إلى أن المملكة رائدة في مجال الصناديق المتوافقة مع الشريعة الإسلامية باعتبارها أول من وضع المعايير والضوابط الشرعية لها وتمتلك أكبر الصناديق على مستوى العالم، مضيفاً أنه على الرغم من تنوع صناديق الاستثمار المطروحة حاليا وما لديها من إمكانات كبيرة تتيح للمستثمرين من خلالها فرصة الاختيار بين مختلف القطاعات والآجال الاستثمارية، إلا أنها لا تزال في مراحلها المبكرة مقارنة بما هو موجود في الدول الغربية.
وأوضح أن سوق الصكوك السعودية التي تتطور بشكل تدريجي ما زالت في حاجة إلى مزيد من الجهد حتى تتبوأ المملكة مكانها المرموق في هذا المجال، مشيراً إلى أن إصدارات الصكوك في السعودية لم تزد خلال العام الماضي على 21.8 في المائة من إجمالي إصدارات الصكوك في العالم، مقارنة بنحو 63 في المائة لماليزيا خلال العام نفسه.
ونوه بأن الناتج المحلي الإجمالي للمملكة يساوي ضعف الناتج الإجمالي لماليزيا، مشيرا إلى أن هناك فرصاً كبيرة في المملكة يمكن تمويلها عن طريق الصكوك؛ مثل خط أنابيب البنى التحتية السعودي ـــ الخليجي الذي يُعد فرصة استثمارية ضخمة بقيمة تزيد على تريليوني دولار. بعدها تحدث همايون دار المدير التنفيذي لـ BMB الإسلامية حيث دعا إلى تطبيق المسؤولية الاجتماعية في المصرفية الإسلامية ومؤسسة الزكاة والوقف والمدخرات والتنمية في البنوك الإسلامية، مشيرا إلى دور المملكة العربية السعودية البارز في التنمية الإسلامية للبنوك الإسلامية والخدمات المالية في العالم الإسلامي.
وقال "نجد أن الغالبية العظمى في المملكة يؤيدون التمويل وفق المصرفية الإسلامية بخلاف دول العالم التي لم تقتنع بالقيمة المضافة للمصرفية الإسلامية، وإن مستقبل التمويل الإسلامي في علاقته بالمطابقة مع الشريعة الإسلامية هو شيء أساسي في أدبيات النجاح، كما أن العنصر الكافي للنجاح أن نجعله أكثر مسؤولية من الناحية الاجتماعية، وهناك حاجة لإضافة قيمة من المسؤولية الاجتماعية، وهذا هو الجانب الذي يجب أن تضعه البنوك الإسلامية للنجاح، وستؤدي المملكة دوراً كبيراً في تطوير صناعة المصرفية الإسلامية ليس لفائدة المملكة فحسب، بل للعالم أجمع.