البحرين.. العمق الاستراتيجي للأمن الوطني السعودي!
في هذه الأيام تنشط حكومة الملالي في إيران في نشر الخلافات والتوترات في منطقة الخليج العربي، وتصرح بلهجة متشددة عن احتجاجها ضد دخول قوات درع الجزيرة إلى البحرين. الأخطر من هذا أن الحكومة الإيرانية دفعت زبانيتها من الباسيج للاعتداء على البعثة الدبلوماسية السعودية، كذلك أسمت دخول قوات درع الجزيرة إلى البحرين بالتدخل العسكري السافر من قبل دول ''أجنبية''!
وتناست الحكومة الإيرانية أن دخول قوات درع الجزيرة إلى البحرين جاء تلبية لطلب الحكومة البحرينية العضو في قوات درع الجزيرة، والعضو المؤسس في مجلس التعاون.
ونعلم جميعاً بما في ذلك الحكومة الإيرانية أن مجلس التعاون الخليجي هو منظمة إقليمية دولية، والمنظمات الدولية قد تكون منظمات دولية عالمية، بمعنى أن العضوية فيها مفتوحة أمام كل دول العالم، كمنظمة الأمم المتحدة، أو منظمات إقليمية دولية مقفلة، بمعنى أن العضوية فيها مقصورة على دول تقع في نطاق إقليمي محدد تربطه مصالح مشتركة ورؤى متطابقة كمجلس التعاون الخليجي.
ولقد استقر الرأي بين كثير من فقهاء القانون الدولي العام على أن الشخصية القانونية للمنظمة الدولية الإقليمية تنشأ إذا كانت هذه المنظمة تعبر عن إرادة ذاتية مستقلة عن إرادة الأعضاء. ويترتب على تمتع المنظمة الدولية بشخصيتها القانونية حقها في ممارسة بعض الاختصاصات مثل حقها في عقد المعاهدات الدولية كالعقد الذي وقعته حكومة البحرين وطلبت بموجبه دخول قوات درع الجزيرة إلى البحرين لمنع الشغب وتكريس الاستقرار في ربوع البلاد، كذلك تتمتع المنظمات الإقليمية بالشخصية الدولية في حدود الاختصاصات التي ينص عليها ميثاقها، ولقد أتاح ميثاق الأمم المتحدة في الفصل الثامن للدول التي ترتبط بعضها ببعض برابطة إقليمية من أي نوع أن تنشئ فيما بينها تنظيماً إقليمياً دولياً يعالج الأمور المتعلقة بحفظ الأمن والسلم، وتنص المادة (52) من الميثاق أن يكون هناك تعاون وثيق بين منظمة الأمم المتحدة ينص على ضرورة أن تقوم المنظمات الإقليمية الدولية بدور مهم في عمليات حفظ الأمن والسلم في الإقليم الذي تمثله.
ولذلك كان يجب ألا يغرب عن بال حكومة الملالي أن دخول قوات درع الجزيرة إلى البحرين لم يكن تدخلاً من قبل دول أجنبية، بل إن قوات درع الجزيرة هي قوات تابعة لمجلس التعاون، ولها استقلالية حددها نظام الأم المتحدة وفقاً لما جاء في الفصل الثامن، وقوات درع الجزيرة تشكلت ضمن منظومة مجلس التعاون الخليجي بقرار من القمة الخليجية، والبحرين عضو مؤسس في هذه المنظومة، وحكومة البحرين طلبت المساعدة من داخل النظام الإقليمي الدولي الذي تنتمي إليه، كما أن المساعدة المطلوبة جاءت لمنع التدخلات الخارجية وتحقيق الأمن والاستقرار لشعب البحرين، وليس مساعدة هدفها قمع وقتل شعب البحرين.
ونحن إذا رجعنا إلى ديباجة النظام الأساسي لمجلس التعاون (الميثاق) نجده ينص في أسباب قيام مجلس التعاون على ما يلي: ''وإيماناً بالمصير المشترك ووحدة الصف والهدف التي تجمع بين شعوب الدول الأعضاء في المجلس...''.
كما تنص المادة (4) على الأهداف الأساسية التي من أجلها أنشئ المجلس ومنها: ''تعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات''.
وفي هذه النصوص التي وقعتها جميع دول الخليج الست (السعودية، الإمارات، البحرين، قطر، عمان، الكويت) ما يشير إلى المصير المشترك، ووحدة الصف والهدف بين جميع الدول الأعضاء، وكذلك ينص على تعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات.
وهكذا فإن المعاهدات الموقعة بين دول الخليج الست تعطى للبحرين الحق القانوني للاستعانة بقوات درع الجزيرة لمنع الشغب وتحقيق الاستقرار والأمن لشعب البحرين.
ولكن حكومة الملالي في إيران رأت في دخول قوات درع الجزيرة إلى البحرين أنه تدخل عسكري أجنبي، متجاهلة حق البحرين في الاستعانة بقوات هي عضو أصيل ومؤسس فيه، بل متجاهلة لنصوص القانون الدولي المومأ إليها في المادة (52) من ميثاق الأمم المتحدة.
وبالنسبة للسعودية، فإن البحرين تقع داخل حدود البحر الإقليمي للسعودية، أي أن البحرين هي عمق استراتيجي للأمن القومي للسعودية، ولا شك أن مجلس التعاون الخليجي رتب حقوقاً وواجبات دولية للسعودية على البحرين، ورتب حقوقاً وواجبات دولية للبحرين على السعودية.
نقول طالما أن البحرين عمق استراتيجي للأمن القومي السعودي، فإن السعودية ــ من داخل ومن خارج مجلس التعاون الخليجي ــ مسؤولة عن أمن البحرين بموجب اتفاقات دولية يقرها القانون الدولي.
ونود أن نذكر لمن فقد ذاكرته في إيران بأن قوات درع الجزيرة سبق أن دخلت الكويت واشتركت مع قوات التحالف في إخراج قوات صدام حسين من الكويت في عام 1990، ويومذاك كانت الحكومة الإيرانية أول المؤيدين والمرحبين بدخول قوات درع الجزيرة إلى الكويت، واليوم هذه القوات نفسها تتقدم إلى البحرين للقضاء على الشغب وترسيخ الاستقرار والأمن في جميع ربوع المملكة الفتية ولمصلحة شعبها أولاً وأخيراً، فلماذا تغير موقف الحكومة الإيرانية من التأييد في الكويت إلى الرفض في البحرين!
إن الحكومة الإيرانية في عهد أحمدي نجاد احترفت لعب دور العضو المشاغب في منظومة المجتمع الدولي، وأخذت تنفث سمومها وأحقادها في كل مكان من العالم، وهي عالقة اليوم في مشكلات نووية مميتة مع القوى العظمى، كما إنها عالقة في خلافات قاتلة مع كل جيرانها وأهمها الدول الخليجية الست، أمّا الوضع الداخلي في إيران فإنه ُيلمح إلى بلوغ حكم الملالي مرحلة الشيخوخة والترهل، وإنه سيلفظ أنفاسه الأخيرة بانتهاء فترة الرئيس أحمدي نجاد، وينتظر أن يخطف الإصلاحيون الحكم بعد سنتين، ويضعوا المصالح الإيرانية العليا في مقدمة أهدافهم بعيداً عن المزايدات الجوفاء والسعي وراء امتلاك أسلحة الدمار التي لن تفيد إيران ولا غير إيران.