رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


من فضلك احترم مساحتي!

يبدو أننا في حاجة إلى تعلم قوانين المحادثة بين البشر من جديد!
وهذا التصريح «الصادم» في البدء يجب ألا يعمم بالطبع، لكنها الحاجة التي تولدت مما نشهده في حياتنا اليومية من تجاهل للمساحات الشخصية التي يمتلكها كلّ منا ومن قبل شريحة لا يستهان بها من الأفراد.
إننا نلتقي العشرات بل المئات من الأشخاص كلّ يوم، لظروف العمل أو الدراسة أو إنهاء معاملاتنا المختلفة وتجمعنا بهم عدة دقائق لا تمثل سوى جزء يسير من خريطة حياتنا.
ونحسب أننا يمكن أن ننفذ من خلال هذه الفترة اليسيرة محتفظين بالحدود التي نرسمها حولنا كلّ صباح!
وهنا يجب أن أؤكد أن السلام والتحية والسؤال عن الأحوال بشكل عام ليست مرفوضة، على كلّ لم نخلق جمادات لا تتجاوب مع بعضها.
اقترح تخيّل المحادثات بين الغرباء كمساحة خضراء في وسط حرم جامعي، هذه المساحات قد تحتوي على قاعات للمحاضرات ونقاط للقاء الأكاديميين والطلبة في أنشطة مشتركة لا ترتبط بتخصص الكليات والمرافق الأخرى الدقيقة، ومع ذلك يُخلق بها نوع من التواصل الإنساني الجميل.
إذن ما المساحات الخضراء في أحاديثنا؟
يمكن دائما البدء بالحديث عن حالة الجوّ، في كلّ ثقافة وفي كلّ زمان ترشح لتكون أفضل بداية لمحادثة بين الغرباء، يعلو وجه الأشخاص شيء من الحماس عندما نستفهم عن رأيهم في الأجواء خلال ذلك اليوم، ومن هناك يمكن المشاركة في محادثة دون اختراق للخصوصية التي ننشدها.
أيضاً الحديث عن آخر أخبار العالم مع تجاوز تلك الأخبار التي تصنف بأنها مثيرة للجدل والاختلاف بين الناس، فالمحادثة الودية حينها قد تأخذ منعطفاً حرجاً، فالحديث عن كرة القدم وإن بدا مقبولاً للبعض يتحول إلى مسألة شخصية بحتة!
تبادل أخبار العالم في اللحظة التي نكون فيها في غرفة انتظار أو في رحلة بالطائرة يشبه أحيانا تحديث صفحة إلكترونية على الويب، نحنُ نملك معرفة كاملة، لكننا حبسنا في ازدحام ما ولم تصلنا التحديثات عما يحدث حولنا.
من جهة أخرى، يصدف أن تأتي الاهتمامات كأولوية في الحديث مع الآخرين في مجال التعليم مثلاً أو العمل، وأذكر بأنني كونت صداقات لاحقة تعود جذورها لحديث عابر خلال أول يوم دراسي في جامعة مكتظة بالطالبات.
قد أسرد عشرات المداخل لمحادثة عمومية بأقل اختراقات ممكنة للخصوصية، تحدثوا عن السفر، عن الكتب، عن الموسيقى، عن الفنّ بكل أشكاله دون أن يشعر الشخص المقابل بأنكم تصدرون أحكاماً أو مناقشات لا تتسع لها اللحظة الحالية!
والآن وقد بدأت بسرد الإيجابيات والنصائح آتي للحديث عن المشكلة، المشكلة في أنّ الكثيرين يصعب عليهم احترام هذه المساحة الشخصية أو الصمت لمن يفضلونه.
قد تجلس في قاعة الانتظار في المستشفى وتجد من يقتحم المكان ويتجاوز حتى مساحتك الفيزيائية ليسألك عن مرضك وتاريخك الطبيّ ولماذا أنت هنا؟ ونحنُ نعلم أن هناك قوانين تسنّ للمحافظة على سرية المعلومات بين الطبيب والمريض فكيف نأتي ببساطة ونطلب تقريراً صحياً في ممر المستشفى؟
وما يحدث في المستشفى ينطبق على نواحٍ أخرى من الحياة، لكن كيف يمكن ترويض هذا الفضول للمعرفة الذي يولد في غير محلّه؟
ينبغي أيضا عدم تجاهل «ثقافة اللقافة» التي تكرس أحياناً بإضفاء طابع الكوميديا وكونها سمة شعبية مرتبطة بنا!
في المرة التالية التي تشعرون فيها برغبة في اقتحام خصوصية الناس من حولكم فكروا جيداً في الوضع بصورة معكوسة.
وأنتم الذين تشعرون بالامتعاض من الأحاديث خارج المساحة الخضراء، يمكنكم ببساطة وضع حدّ لها بجملة واحدة لا تخرج عن قول الرسول ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي