خمس علامات فارقة في التحركات السياسية
يعيش العالم العربي حالة استثنائية من المخاض السياسي الاجتماعي الذي كان محفزه الأول اقتصاديا، لكنه في الجوهر اجتماعي سياسي، هذه التفاعلات تاريخية ونقطة انعطاف أخرى في تاريخ المنطقة, وقد تكون مشابهة لما حدث في أوروبا قبل نحو قرن ونصف، ولكن لفت نظري خمس علامات فارقة مؤثرة وحبلى بالمعاني الاجتماعية السياسية. لعل في المفارقات نواحي تحليلية ضاعت في العواصف العاطفية.
الأولى: يعرف الجميع أن الظاهرة كونية في حالة الوعي العام إلا أنها بقيت قطرية. فلم نر توجهات كونية شمولية تتعدى الحدود عدا الجوانب العمالية الأجنبية في حالة ليبيا بسبب حالة من الحرب الأهلية، قد يكون ذلك بسبب انحسار التيارات الفكرية الشمولية الأيديولوجية المنبع سواء دينية أو قومية؛ كما أنه قد يكون بسبب تشابه المشاكل، وبالتالي فإن العقل العربي اتجه عقلانيا إلى التعامل مع القضايا المعيشية والملحة القطرية, ومن ثم فإن المرحلة التاريخية اللاحقة ستأخذ طابعاً يتعدى القطرية. لا أحد يستطيع التنبؤ بالتطورات، ولكن الواضح أن الولاء للقطر أصبح ثابتاً وعضوياً. الثانية: إن حدة الاضطرابات والمطالبة بالتغيير أتت أكثر من الدول التي تأخذ من الجمهورية والديموقراطية الشكلية نظاماً وطابعاً لها, بينما الدول الملكية وذات الأنظمة الأكثر عرفية بدت وكأنها تعاني أقل بكثير من نظيرتها الجمهورية عدا البحرين لأسباب الاستقطاب المذهبي. قد يعود ذلك إلى حالة الرياء السياسي والحديث عن التوريث والعبث بالانتخابات والمدة الرئاسية الرسمية التي لم تكن موجودة في الأصل في الأنظمة الأكثر ثباتاً في الشرعية.
الثالثة: غياب الشخصية الكريزماوية في قيادات تبدي النزعات الجمعية وليس الأفراد ولا حتى برامج معدة ومجدولة تدعو إلى اصطفافات سياسية اجتماعية قابلة للخلافات والاختلافات. بل إن المعارضة فوجئت واضطرت أحياناً إلى محاولة اللحاق بالجديد. غياب الشخصيات القيادية لافت في مجتمعات تعودت على تمجيد القيادات. الرابعة: إن الشرارة بدأت اقتصادية ولكن سرعان ما وجد العقل العربي من وعي أو دون وعي ضالته في السياسة، فبدأ العامل التنموي يتراجع وبسرعة إلى آخر الأوليات. يا ترى هل هذا مؤثر خفي وقوي يدل على أن السياسة أهم من التنمية, امتداداً للإخفاقات العربية؟ فالسؤال حول الأوليات يدور حول محتوى ومستوى الرغبة في التغيير. فالمنقذ الأخير للمنظومة العربية المجتمعة قطرية أو إقليمية هو مدى كفاءة الإدارة الاقتصادية، إذ من دون ذلك سيعود الجميع إلى السياسة للبحث في الخيارات الوطنية, وكلما ازداد الاهتمام بالسياسة تراجعت القدرة على البناء والعكس صحيح، فكلما تحسنت فرص التنمية الاقتصادية ازدادت فرص الرقي الاجتماعي السياسي.
الخامسة: تغير المراكز والتركيز، فهناك تركيا بدت وكأنها مستفيدة دون عمل أي شيء, وإيران بدت في حالة من الارتباك, فهي راغبة في الصراعات العربية ولكنها في حالة توجس أن تتعمق هذه المطالب لديها. وأخيراً تراجعت القضية الفلسطينية في سلم الأوليات من المطالب على حساب جودة الحياة.
في ثنايا هذه النقاط الخمس ستجد كل دولة مركزها النسبي والتحديات الضمنية والظاهرة لها. فرز الأوليات الوطنية وعامل الضغط الإقليمي سواء الخوف من العدوى أو الحلول الاستباقية النيرة ورفع الكفاءة الإدارية ستحدد مسار كل دولة، ولكن العامل الإقليمي بحكم التاريخ والجغرافيا سيكون هو الغالب.