رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الأوامر .. امتداد النهج الإصلاحي القويم

''لا تنسوني من دعائكم''، هكذا أنهى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز خطابه الموجه للأمة، خطاب مقتضب حمل في طياته أعمق المعاني وأجزلها لتصل إلى شغاف قلوب محبيه كل الشعب السعودي. وعندما يقول ملك البلاد ''لا تنسوني من دعائكم'' فهي مقولة تعني قمة التلاحم الثقافي والتصافي النفسي، وتؤكد على الترابط الوثيق والتمسك بحبل الله إخوانا بين الشعب السعودي وقيادته. إنه الإيمان العميق والتمسك بتعاليم الشرع الحنيف الذي خلق هذا التلاحم الفطري بين القيادة والشعب في مملكة الحب والوفاء والإنسانية لعلاقة تضرب جذورها في عمق التاريخ. علاقة لا تنفك عراها لأن أساسها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، شعارها لن يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. إن خطاب الملك عبد الله جاء ليجسد معاني الوفاء في يوم الوفاء وليعلن للعالم أجمع بخصوصيتنا، نعم بخصوصيتنا التي ينفر منها البعض ولكنها واقع نعيشه ونحبه ونعمل من أجله. وسر تميزنا الخلق الإسلامي الرفيع ومظاهر التقاليد العربية الأصيلة التي تلف المملكة من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها وعلى كل حبة من تراب الوطن الطاهر. فعلى الرغم من اتساع مساحة السعودية وتنوع الثقافات المحلية الآن هناك قاسم مشترك بين كل السعوديين وهو الالتفاف حول قيادته الشرعية التي تحكم بشرع الله وبه تعدل. القيادة التي تقف على مسافة واحدة من الجميع ليتولد إحساس بالانتماء والموالاة، إحساس صادق ينبع من الذات لينعكس قولا وفعلا ومساهمة في التفاني من أجل الوطن ورفعته والوقوف صفا واحد خلف قيادته التي أحبها وأحبته ليكتبوا فصلا في تاريخ الأمم يحكي قصة هذا التلاحم الفطري بين القيادة وشعبها. فالقيادة من الشعب وإليه والمملكة العربية السعودية بمثابة الأسرة الكبيرة التي يغشاها حالة من الود والاحترام والتراحم والدفع بالتي هي أحسن حتى لا يكون أثر للعداوة والحقد والحسد والتباغض. هذا ما تحسه وما يميز السعودية عندما تطأ قدمك أراضيها هي ليست مجتمعا ملائكيا ولكنها مجتمع متدين ثابت على مبادئه لا يتغير ولا يتحول ولا يتبدل مهما كانت الأحداث والظروف. فالشعب السعودي بحسه الديني لم يكن في يوم من الأيام إمعة يسير حيث سار الآخرون مقلدا تقليدا أعمى. وما موقف الشعب السعودي المتماسك ورفضه الانصياع وراء تلك الدعاوى المغرضة التي تصطاد في الماء العكر وتسعى لإفساد اجتماعه واستقراره إلا دليل ناصع لوعيه وثقافته وتمسكة بمبادئه وثباته على الحق. لقد تشرب أفراد الشعب السعودي لبن التوحيد الصافي وسرى في عروقهم وفي وجدانهم لتكون عقيدتهم صحيحة خالية من أمراض الزيغ والبدع والضلال يمشون سويا على سراط مستقيم. فلم تنطلِ عليهم تلك الدعوى التي ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب تدعو إليها وتحركها قوى خارجية تصب في صالح الأعداء وتحقق مآربهم وتنفذ خططهم. هناك قصور وهناك أخطاء وهناك مساحة للتطوير وعمل الأفضل، ولكنه يبقى شأنا داخليا تتم مناقشته ومعالجته داخل إطار الوحدة والثوابت الوطنية. هكذا إذا ''لا تنسوني من دعائكم'' تترجم النية الصادقة والنزعة نحو الإصلاح بنظرة مشتركة وتكاتف الجميع لتقطع دابر الفتنة والمتربصين وتؤكد أننا جميعا في السفينة نفسها ونتحمل مسؤولية الحفاظ على مقدرات ومكتسبات الوطن وأهمها الإيمان والأمن والأمان.
وجاءت الأوامر الملكية امتدادا لهذا النهج الإصلاحي القويم والتفكير الجماعي لتكون شاملة جامعة عميقة في تناولها لقضايا المجتمع. أهميتها تنبع في أنها منظومة من السياسات والتنظيمات التي تكمل بعضها بعضا لتصب في نهاية المطاف في رفاهية المواطن وتحقق له العيش الكريم. فاستحداث الوظائف وتحفيز القطاع الخاص على خلق فرص وظيفية ورفع الحد الأدنى من الأجور في القطاع العام سياسات عملية لمواجهة البطالة بحزم وثبات وبشكل فوري. ويتبعه قرارات واضحة في معالجة مشكلة الإسكان بأسلوب مباشر ببناء نصف مليون وحدة سكنية وبطريقة غير مباشرة في رفع قيمة قرض صندق التنمية العقارية إلى نصف مليون ريال. وما يجب ملاحظته هنا أن سياسة الإسكان جاءت لتطبق ما يسمى بـ ''سياسة التمكين'' أي أن هناك مزجا بين توفير السكن وتوفير العمل وهو أمر في غاية الأهمية، إذ إنه يضمن العيش الكريم من جهة وإنتاجية المواطن ومساهمته في التنمية الاقتصادية من جهة أخرى، ما يؤدي إلى اتساع دائرة النمو الاقتصادي وتهيئة فرص أكبر للأجيال القادمة. هذا التوجه هو في حقيقته تحقيق لمبدأ التنمية المستدامة، ولكن التنمية المستدامة وحدها لا تكفي، وإنما يجب أن تكون متوازنة بين المناطق والمحافظات، وهذا ما قصد حينما تم بناء مجمعات صحية متخصصة لتخدم المواطنين في كل جزء من أجزاء الوطن السعودي وتقدم لهم الرعاية الصحية المتخصصة بمعايير مهنية عالية وبالتساوي. هذا التوجه نحو التنمية المتوازنة وتطوير مناطق الأطراف ليس جديدا فالمدن الاقتصادية أحد أهم أقطاب التنمية في تلك المناطق. لم يغب عن فكر الملك عبد الله أن الفساد الإداري عائق التنمية الأول وأن الحفاظ على المال العام وعلى مصالح الوطن ومقدراته يأتي ضمن الأولويات لتكون هيئة محاربة الفساد قوية نافذة على الجميع كائنا من كان متصلة به يحفظه الله مباشرة. لا يتوقف الأمر على القطاع العام وإنما طال القطاع الخاص لمحاربة الغش التجاري والتلاعب بالأسعار وكل ما يهدد الصحة العامة بتفعيل الرقابة على الأسواق والنشاط التجاري والصناعي. ويبقى الأهم في الأوامر الملكية وهو حفظ مكانة العلم والعلماء فهم صمام الأمان والضامن بعد الله في تبيان الحق وبثه في النفوس وتثبيت الناس عليه وهو في واقع الأمر تأكيد على أن هذه الدولة المباركة سائرة على النهج القويم مستندة على الكتاب والسنة لا تحيد عنه ولا تبغي له بديلا. إنه دستورها الذي ارتضاه الناس وبايعوا من أجله في المنشط والمكره محققا للعدالة والمساواة والحرية والقوة والمنعة.
فلله درك من مليك علمت، فعملت ليكون شعبك في الموعد يدعون لك بطول العمر وأن يكون جميع ما قدمت لأمة الإسلام في ميزان حسناتك وأن يجعلك بعدلك ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وفق الله إمام المسلمين الملك عبد الله بن عبد العزيز وأعزه بنصره وتأييده وجعله ذخرا للوطن والمواطنين وحفظ الله شعب المملكة العربية السعودية حرا أبيا وفيا موحدا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي