القراءة .. للمرة الألف وواحد!
يقول علي الوردي: «يا ويل القراء من أولئك الكتّاب الذين لا يقرأون»، وستيفن كنج يقول: «إذا لم يكن لديك وقت للقراءة فلن يكون لديك وقت للكتابة»، ونحنُ نعلم أن القراءة هي الفعل الابتدائي واللصيق للكتابة.
على الرغم من كون هذه المقدمة تبدو مكرورة بشكل يمكن التنبؤ به في كلّ مرّة يعبر الحديث عن أهمية القراءة.
لكننا هذه المرة نتحدث عن قراءة «الكاتب»، الخطوة الأولى التي يتبعها قبل أن يضع نتاجه بين أيدينا. ودون مزيد من التقديم والإطالة، أجمع لكم عدة نقاط مررت بها، تثني على اهتمام الكتّاب بالقراءة لتحسين أدائهم.
• يعتقد بعض الكتاب أن الاعتماد على وسائل الإعلام المرئي والمسموع وحده كافٍ كمرجع لوقوده الكتابي، على العكس تماماً ومهما تطورت هذه الوسائل ونقلت الصورة بكافة جوانبها، يبقى على الكاتب مسؤولية التحرّي بنفسه والقراءة في الإعلام المكتوب، والعودة إلى أصول المعارف بنفسه. ما يمنح كتابته المصداقية والتنوع، ولسبب رئيس وجوهري: كمّ صدق أكبر.
• اقرأ لمعاصريك، وإن بدا ذلك مجهداً في ظلّ الانفجار «الكتابي» الذي يشهده عصرنا، وتعدد مساحات الكتابة وتنوع وسائل نقلها، إلا أن الكاتب الجيد يفرض وجوده ويزرع الثقة في قرائه مع الوقت. القراءة للمعاصرين تعطي الكاتب فرصة للتعبير عن رأيه انطلاقا من آرائهم التي سبقته، أو اتباع أسلوب تبادل النقد والطرح، ما يمنح قارئي الإنتاج الفرصة للتعرف على مزيج من الآراء. وهكذا لا تتوقف سلسلة القراءة والكتابة عند شخصيات معدودة فيما يشبه الاحتكار غير المعلن! فالفكرة حقّ للجميع، ويأتي دور الصياغة لتمنحها ثوباً مختلفاً كل مرة.
• من منظور صحّي القراءة تمرّن العقل بصورة تجعل الأفكار تتحرك بانسيابية أكبر مع الوقت، وتساعد الفرد على البقاء في حالة تركيز لفترات زمنية أطول، وهذا ما ينشده الكاتب، فالتركيز الطويل وسط حياة متسارعة بالأحداث والانشغالات يقترب من المستحيل أحياناً، ويلقي بظلاله على إنتاج السطور.
• القراءة لا تملأ الرأس بالفوضى كما يعتقد البعض ـــ القليل ـــ من القرّاء، إنها تخفف من احتقان الأفكار وترتبها. إذ يحدث أن تمتلئ رؤوسنا بالصور، مثل أوراق موزعة على رفوف خالية، نقرأ فتصبح لدينا ملفات افتراضية تجمع شتات قراءاتنا السابقة، القصة القصيرة تتممها رواية، وكتاب التاريخ يجد بيتاً في موسوعة وهكذا. والكاتب الذي يملك نظام ملفات أفضل يمنح قارئه النجيب فرصة لقراءة أقلّ فوضى!
• القراءة للكتاب الآخرين تحرر الكاتب من سلطة البحث عن الكمال، إننا دائما محاصرون بالمثالية التي نرجوها لما نكتبه، لذلك نفقد المتعة في أن تكون الكتابة متنفساً ونافذة للتواصل مع البشر، قبل أن تكون فناً له قواعده وشروطه الصارمة. وهذا يأخذني لما أورده علي الوردي في كتابه (خوارق اللا شعور) عن الكتابة «يقول الخبراء في فنّ الكتابة الحديثة: اكتب أول خاطر يطرأ على ذهنك، ولا تطل فيما تكتب، فإنك ستجد بعد لحظة أن قلمك قد انساب في الموضوع انسيابا عجيباً» وكيف للكاتب أن يملك خواطر وفيرة بلا قراءة؟
اقرأ كثيراً، اقرأ في كلّ مكان وبلا توقف، اقرأ وجوه الناس من حولك، اقرأ في تخصصك، اقرأ قصص الطفولة، والكتيبات الملونة على طاولات الانتظار!