رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل تعرف وزاراتنا معنى الدعم؟

طالما دعمت الدولة أبناءها, وهي مستعدة لذلك دائما، فكيف يتحول الدعم إلى مشكلة؟ السبب ـــ في نظري ـــ يعود إلى اللجان الوزارية التي تُشكل لغرض دراسة الوضع وعدم وضوح الرؤية والعمل المشترك بين هذه اللجان وغياب دور مجلس الشورى فيها وفي تشكيلها والمؤسسات الرقابية الأخرى، حتى تظن أن الدعم جاء لهذه اللجنة وليس للمواطن. فمثلا في أسبوع واحد أعلنت وزارة الزراعة عن لجنتين وزاريتين لمواجهة بعض مشكلاتنا الزراعية (أقول بعض)، فلجنة مشكلة من خمس وزارات لدراسة مشكلة التوقف عن زراعة القمح من كل من: وزارة الداخلية، وزارة المالية، وزارة الزراعة، وزارة المياه والكهرباء، ووزارة الاقتصاد والتخطيط. ولجنة أخرى مشكلة من ثلاث وزارات هي وزارات: الزراعة، التجارة والصناعة، والمالية، لدراسة مشكلة منتجي الأعلاف، ورغم اللجان المشكلة تأتي تصريحات وزارة الزراعة عن ارتفاع أسعار الأعلاف وتحيل المشكلة إلى وزارة التجارة, وأن الأعلاف مدعومة من قبل الدولة وحجم الدعم يتناسب طرديا مع كمية الإنتاج. ثم تقول الوزارة إنها أعدت خطة لدعم مدخلات الأعلاف التي تستخدمها المصانع المنتجة، ما سيؤدي إلى انخفاض ''حتمي'' في الأسعار. وفي الأسبوع نفسه جاء تفاعل عبد الله صايل مع هذا الموضوع من خلال رسم كاريكاتيري يوضح فيه سعر الخبز قبل 30 سنة وسعره الآن, حيث لم يتغير, وكأنه يقول إن هذه هي آثار توقف زراعة القمح (لم نتأثر), فهل الموضوع فعلا في حاجة إلى لجنة من خمس وزارات لنعرف هذه النتيجة البسيطة!
هنا تتكاثر الأسئلة كما البكتيريا، فعندما صدر قرار إيقاف زراعة القمح هل كانت هناك لجان؟ لِمَ لم تهتم هذه اللجان بالمشكلات الاجتماعية والمادية للمزارعين الذين سيوقف عملهم؟ لنعد إلى الماضي أكثر، عندما قررنا دعم زراعة القمح هل كنا نعرف ماذا نريد بالضبط؟ هل توقعنا الهدر المائي وارتفاع الأسعار؟ هل ذهب الدعم إلى من يستحقه فعلا؟ ومع (لجنة الخمس) التي ستناقش الموضوع مرة أخرى تأتي الأسئلة، ما دور وزارة الداخلية في هذه اللجنة؟ ولماذا غابت وزارة العمل ووزارة التجارة عنها؟ لماذا غاب دور الرقابة والتحقيق لنعرف من كان مصدر المشكلة ولماذا؟ هل هناك خطة استراتيجية ورؤية واضحة تعمل هذه اللجان في ضوئها. وإذا كان المجتمع لم يتأثر بتوقف زراعة القمح, ذلك أنه كان يكلفنا أكثر من المستورد ويتسبب في هدر المخزون المائي، (هكذا جاءت التبريرات) فنحن نعرف اليوم أن المزارعين توجهوا إلى زراعة الأعلاف بدلا من القمح، والأسعار ترتفع والمخزون المائي يهدر أيضا, أي أنها تشبه مشكلة القمح الأولية, وإذا أضفت إلى ذلك أن القمح يدخل في تكوين الأعلاف, فما مبرر أن تتشكل لجنة أخرى غير لجنة الخمس لتناقش موضوع دعم الأعلاف؟ والعجيب فيها أن تغيب وزارة الاقتصاد والتخطيط. فهل نحن ندور في حلقة مفرغة بين القمح والأعلاف؟ لماذا لم تنضم لجنة الثلاث إلى لجنة الخمس وتقوم بإعداد خطة استراتيجية للزراعة في المملكة بدلا من مناقشة قضايا مبتورة لا تعلم لجنة عن لجنة إلا من خلال الصحف؟
صحيفة ''عكاظ'' وتحت موضوع ''لجنة الثلاث'' أشارت إلى أن الإنتاج المحلي من الحمضيات يعادل 170 ألف طن، بينما تستورد المملكة 800 ألف طن, وأن محافظة العلا تنتج (الجريب فروت) الذي يسوق في الاتحاد الأوروبي. في القصيم هناك النخيل ومهرجانات التمور وفي الجوف مهرجان وزراعة الزيتون وفي جازان ''المنقا'' وفي نجران الحمضيات، الورد في الطائف وفي تبوك الخضراوات. سؤالي لوزارة الزراعة: لماذا هي منشغلة كثيرا ـــ أكثر من اللازم ـــ بالقمح والأعلاف، بينما لا نسمع لها صوتا ولا نشاطا ملحوظا في دعم الزراعة كقضية عامة ودعم ميزاتنا التنافسية فيها؟ المزارعون في الشمال والجنوب يشتكون من شروط صعبة فيما يتعلق بالعمالة بينما لا يجدون دعما يذكر لحمايتهم من مزارعي الدول المجاورة الذين يدخلون السوق السعودية جارفين معهم أحلام المزارعين السعوديين, نظرا إلى صعوبات تواجههم في جني المحاصيل وتطوير التقنيات اللازمة لها؟ وهذه القضية بالذات تمثل هاجسا كبيرا جدا للمزارعين في الجنوب مع منافسة حادة من مزارعي اليمن، خاصة أن هناك صعوبات في إيجاد العمالة المدربة القادرة على العمل في تلك المناطق. بل ذكر لي أكثر من شخص أنه ينظر إلى محصوله ''بحسرة'' يتساقط، إذ لم يجد عمالا لجنيه، بينما تمر قوافل السيارات محملة من اليمن للبيع في السوق السعودية.
مع الأسف, إن فهمنا للدعم الذي يحتاج إليه المواطن السعودي لم يزل قاصرا على الدعم المادي فقط، بينما نغفل كثيرا عن العمل الضروري الآخر، إن التكامل بين أنواع الدعم ضرورة بلا شك, لكن وفق خطة ورؤية شاملة. سعودة البيع في سوق الخضار ودعم الشباب في ذلك أمر مهم، لكن دعم وحماية جمركية للمزارع السعودي ـــ في نظري ـــ أهم. دعم البطالة خطوة جيدة, لكن تشجيع الزراعة وحمايتها ودعم البنك الزراعي هو الذي سيحل مشكلة البطالة في الأطراف ويدعم الشباب والأسر هناك. ليس هذا فحسب, بل يجب تكامل خطة الدعم لتطوير النقل وصناعة شركة نقل زراعي, فمعظم المزارعين يفشلون في الوصول إلى الأسواق للبيع بسعر مجزٍ. والأمر المحزن في ذلك كله أنه رغم الدعم واهتمام الدولة نجد شركات سعودية ''مساهمة'' ترفل في خسائر لا نهائية, بينما لم تتدخل أي جهة لمساءلتها عن ذلك ومناقشة أسبابه، ولو أن هذه الشركات اندمجت في شركة عملاقة للتسويق لكان خيرا لها وللمزارعين وللوطن، والله أعلم.. ودمتم بخير.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي