رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


«أيها المسلمون.. مصريين وأقباطا»

نعيش عصرا متشابكا، صعبا، ومعقدا، فيه صار للكلمة والخطاب مكانة وريادة في نفوس البشر. الناس تقبل الوصف الخطابي هذا وترفض الوصف الخطابي ذاك استنادا إلى مواقف تتغلب عليها العاطفة والأحاسيس أكثر من العقل. والعرب اليوم يمرون بمخاض عسير فيه الكثير من الألم والعذاب والقليل من الأمل.
الأمل يصنعه الخطاب قبل أن تصنعه الانتصارات في الميدان. والعرب من أكثر شعوب العالم دراية بالخطاب وتأثيره. أليس القرآن خطابا مكتوبا تلقاه رسولهم وتلاه عليهم؟ ومن من العرب أو المسلمين لا يهتز عند تلاوة أو سماع أو قراءة سورة من سوره؟ ورغم التباين اليوم في المواقف الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، ألا يقتبس العرب آيات من القرآن اليوم لتثبيت أو دعم أو تبرير مواقفهم؟ حتى وإن كانت فئتان مسلمتان على خصام، ترى أن كل واحدة منها تلجأ إلى الذكر الحكيم لبيان أنها على صواب وأن غريمها على باطل.
وبخلاف الأديان الأخرى، كالمسيحية مثلا، يرفض الإسلام منح العصمة لأي رجل دين أو شيخ مهما علا مقامه أو شأنه. والإسلام دين يمنح الإنسان حق قدره أمام خالقه ـ مخلوق ضعيف يتغير بتغير الأزمان والأمكنة، وقد لا يثبت على قرار في المدة الزمنية المخصصة له في هذه الأرض. وهكذا ترى مفسرا أو داعية في بلد ما ومكان ما وزمان ما يلقي خطابا يراه من صلب الرسالة وآخر في بلد ما ومكان ما وزمان ما يلقي خطابا مخالفا له بالمرة ويراه من صلب الرسالة أيضا.
وهذا الوضع يضع عراقيل أمام ظهور خطاب حر. وضع كهذا يفرض رقابة ذاتية محكمة على ما يمكن أن يأتي به كاتب مثلي يرى الأمور من منظار مختلف. أسس هذا المنظار هي أنه لا يجوز لأحد القول إنه يملك كل الصواب وإن غيره على باطل لأننا في حالة كهذه لن نحصل على الصواب أبدا، ونكون كلنا على خطأ. الصواب في القرآن والخطأ والصواب يقع فيه المفسرون والدعاة والشيوخ ورجال الدين. وأصوب الصواب هو عندما تقتنع لا بل تؤمن أنك قد تكون على خطأ وأن الذي ترمي سهامك صوبه قد يكون على صواب.
وما يعرقل تطور الفكر الإنساني هو التشبث بالتقليد – كان الناس يقولون كذا أو يخطبون هكذا أو يعملون بهذا وأنا علي القيام بذلك. في حالة كهذه نلغي خاصية العقل، وهي الخاصية التي كرمنا بها الله وميزنا عن باقي خلقه. ولأننا نملكها منحنا الذكر لأنه بإمكاننا قراءته واستيعابه ضمن الزمن والمكان الذي نعيش فيه. وإن لم نفعل ذلك معناه أننا ألغينا خاصية العقل لدينا وسلمناه لعقل الآخرين من البشر من أمثالنا.
الخروج على التقليد وما توارثناه ولا سيما ما يتناقض مع زماننا ومكاننا جعل الكثير من المسلمين يقبلون التعايش مع تقاليد لا تمت إلى دينهم بصلة، لا بل تناقضه. انظر إلى المسلمين في الهند وكيف أنهم يتعايشون مع غير المؤمنين بالله وكتبه؟ وانظر إلى المسلمين في السويد وغيرها من البلدان وكيف أنهم يقبلون العيش في خضم مجتمع مادي ملحد لا يعير أي اهتمام لرسالة السماء وكتبها؟
أقول هذا وأنا أرى العرب تتقاذفهم الأمواج، كل موج له لونه وكل موج يحاول إزاحة الآخر رغم أن الأمواج جميعها ترفع راية الذكر وتحتكم إليه وتقتبس من آياته كي تزين الحياة لنفسها. أقول هذا وأنا أرى غالبية الدعاة في كل بلد يتماشون ويفسرون بما يرضي السلطة والنظام. أقول هذا وأرى الكتّاب ـ ومنهم صاحب هذه السطور ـ يحاولون مراضاة سياسات التحرير وأصحاب الشأن والمال من الذين يملكون الإعلام كي يستمروا في الكتابة.
وقد يقول القارئ الكريم ما علاقة كل هذا بعنوان المقال؟ أقول إن العلاقة بارزة وظاهرة. أحاول جهدي ألا أذكر الأسماء في مقالاتي ورغم أن الاقتباس الذي سأستند إليه قد يدل على صاحبه. في خطبة كان لها صدى كبير في العالم العربي، قال صاحبها: "كنت أخطب من قبل وأقول: أيها المسلمون. أما اليوم فأقول: أيها المصريون، مسلمين وأقباطا".
خرج الخطيب على التقليد وأفلح. هذا خطاب نحن أحوج إليه من الخبز. ليس العرب فقط بل البشرية جمعاء. وكانت العرب قبل الإسلام تخطب وتقول: أيها الناس. من له الحكمة والشجاعة اليوم أن يجمع بدلا من أن يفرق. هل سيخطب رجل دين مسيحي كبير في يوم الأحد في كنيسة ويقول: أيها المؤمنون، مسلمين ومسيحيين. هل سيخطب أحد من الشيوخ ويقول: أيها المسلمون سنة وشيعة.
هذا النمط من الخطاب قد يفك الكثير من الألغاز والتشابك والعقد التي يعانيها العرب وتفتك بهم من الداخل وتجعلهم ضعفاء أمام أعدائهم؟
وإلى اللقاء

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي