الهدوء والوحدة والتكاتف وقت الأزمات
هناك خلط عجيب بين أعمال التظاهر وأعمال الشغب، فلا يتم التظاهر إلا بعد الحصول على ترخيص من الجهات الحكومة المعنية, يحدد فيه مسار التظاهر ووقته, وأحياناً عدد المحتجين. ويقتصر التظاهر على أعمال سلمية ولا يحمل فيه أي سلاح ولا يمارس خلاله أي نوع من أنواع العنف أو الاقتحام والعبث بالمباني والمؤسسات والممتلكات. أما ما يجري في عدد من الدول العربية فيصورها الإعلام التحريضي ويدعي منظموها بأنها تظاهرات سلمية، لكنها في الحقيقة أعمال شغب الهدف منها العبث بالمؤسسات الرسمية وتعطيل أعمالها والنيل من هيبتها، حيث يحاول المحتجون اقتحام المباني الرسمية والإدارات الحكومية بالقوة, بل حرقها وإتلاف محتوياتها, ويحمل بعض المتظاهرين في بعض الدول الأسلحة. وفي هذه الحالة يجب على الحكومات الحفاظ على القانون وحماية المؤسسات العامة والناس من التصرفات الهوجاء التي تقوم باسم التظاهر السلمي.
وتحرم الفتاوى الشرعية للشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن عثيمين ـــ رحمهما الله ـــ وهيئة كبار العلماء والأنظمة الرسمية, التظاهر وأعمال الشغب في المملكة بكافة أشكاله وأنواعه. وعلى الرغم من كل هذه الفتاوى حاول المرجفون داخل المملكة وخارجها إثارة البلبلة من خلال دعوات محمومة للتظاهر. ورفض الشعب السعودي دعوات المرجفين ولم يصغ إليها, بل اعتبرها معاول هدم لأمن هذا الوطن الغالي واستقراره. والأمن في الأوطان هو من أفضل النعم على الناس، حيث لا يمكن ممارسة الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية بكفاءة من دون توافره. فكيف يستطيع الأفراد والأسر التنقل والخروج أو حتى المكوث في منازلهم إذا انعدم الأمن؟ وكيف يستطيعون العمل والتعلم والكسب والبناء والتعمير والاستمتاع بالحياة والترويح عن أنفسهم مع فقدانه؟
والأمن والاستقرار شرط ضروري وأساسي من شروط التنمية وممارسة الحياة الكريمة, ولهذا تعتبر دول العالم أن الاستثمار في الأمن ضروري ومقدم على أنواع الاستثمار كافة. والحمد الله الذي منّ علينا بنعمة الأمن والشريعة الإسلامية التي عُصِمت بها الدماء والأموال والأعراض. والتفريط في الأمن يعطل تنفيذ أحكام الشريعة ويهدد بضياع شيء من هذه المعصومات أو كلها، ولهذا لم تنطل دعوات التظاهر على الشعب السعودي الكريم, الذي يرى فيها تهديداً لنعمة الأمن وسيادة الشريعة التي يتمتع بحمايتها منذ نشأت الدولة السعودية. ودعوات التظاهر الأخيرة ما هي إلا تستر وتحريض للقيام بأعمال شغب تقود إلى الفوضى وتهدد الاستقرار. ويسعى المحرضون إلى زعزعة الدولة وتدمير المؤسسات الموفرة للأمن والنيل من قياداتها, بل تغييرها بالقوة. ومن المستغرب مطالبة الجهات الأمنية بالوقوف مكتوفة الأيدي عند تهديد الأمن الوطني بأعمال الشغب, التي تسمى التظاهر. إن استنكار الشعب السعودي دعاوى التظاهر, أو على الأصح أعمال الشغب في الوقت الحالي وعدم التجاوب معها, يدل على وعي هذا الشعب وعدم اغتراره بإرجاف المرجفين ودعاوى دجالي السياسة الذين يحاولون الاستخفاف بعقلية هذا الشعب من خلال بث الأباطيل والشائعات المغرضة والتهويل المبالغ فيه. ويتحتم على كل من يخاطب هذا الشعب أن يحترم عقلية أفراده ويدرك مدى حبهم لوطنهم، فليس من السهل زعزعة ثقتهم بأنفسهم ومعتقداتهم وأسلوب حياتهم وعلاقتهم بقيادتهم. ولقد أظهر الشعب السعودي الأبي وعياً وتضامناً وتكاتفاً قوياً خلال هذه الأيام وتحدى كل مظاهر التحريض التي بثها المرجفون في عدد من وسائل الاتصال المختلفة. وحاول دجالو السياسة رفع درجة التوتر في المجتمع, لكن الله أثبط مخططاتهم وساد الهدوء والطمأنينة تصرفات الناس.
ويثبت رفض هذا الشعب دعوات التحريض رضا الناس بوجه عام على أوضاعهم ومدى حرصهم على صيانة مكتسبات هذا الشعب وعدم التفريط في مقدرات الوطن ووحدته وتآلف شعبه. وحقق هذا الوطن منجزات كثيرة في المجالات والميادين كافة، كما يتمتع مواطنوه والمقيمون فيه بمستويات معيشة جيدة ويأملون في تحقيق المزيد من المكاسب ورفع مستويات معيشتهم. ومهما كانت درجات التحريض والدعوى للفوضى فلن يفرط هذا الشعب بأمنه ومكتسباته, فقد بذل الغالي والرخيص والكثير من الوقت والجهد لتوحيد هذه البلاد والحفاظ على استقرارها والوصول إلى مستويات التنمية والمعيشة التي ينعم بها. إن من السهل إشاعة الفوضى وعدم الاستقرار, التي تكلف الشعوب باهظاً، مولدةً الكوارث الإنسانية والتوترات والتشنجات الاجتماعية والسياسية. وقد تقود الفوضى إذا تفاقمت ـــ لا سمح الله ـــ إلى تهديد وحدة الأوطان وبث النعرات المريضة التي تمزق لحمة الشعوب ووحدتها.
ورضا الشعب عن حياته ووضعه في المملكة لا يعني غياب المعضلات والتحديات وصواب جميع الأنظمة والسياسات وانتفاء الحاجة إلى الإصلاح، فكل شعوب العالم تواجه تحديات ومشكلات وتطبق بعض الأنظمة القاصرة وبعض السياسات الخاطئة وتعاني درجات متفاوتة من الفساد. وتحاول شعوب العالم سلك الطرق المشروعة لإصلاح أوضاعها المختلفة وتحسين ظروف معيشتها، لكن عند تفاقم الأوضاع وتوقف عمليات الإصلاح وانتشار الفساد وعجز الحكومات عن التصدي للتحديات تنفجر الأمور بطريقة عنيفة، وقد تستغل من الأعداء لتهديد وحدة الشعوب والأوطان. ولهذا فإن علينا رفع كفاءة وأداء الإدارات الحكومية والخاصة ومراجعة السياسات والأنظمة المختلفة والسعي بقدر المستطاع إلى إصلاحها من خلال الحوار الوطني والتواصل المستمر بين فئات الشعب المختلفة وقياداته. وينبغي على المسؤولين في القطاعات الحكومية كافة وعلى كل المستويات تعميق سياسات فتح الأبواب والتواصل مع الموطنين لحل قضاياهم المختلفة. وفي خضم الأحداث التي تجري حولنا فإن على هذا الشعب الوفي الكريم وقيادته الحكيمة الحيطة والحذر من كيد المتربصين بهذا الوطن، والحرص كل الحرص على الوحدة والتكاتف والهدوء وتعزيز مسيرة الإصلاح في المجالات كافة، ودعم الصراحة ورفع مستويات الشفافية، وتطوير آليات الحوار في المجتمع، والتصدي بقوة للفساد والإسراع في تطوير آليات محاربته.
وأثبتت الأحداث الأخيرة مجدداً أن أهم ما يحكم هذا الوطن هو القيم والمبادئ الإسلامية الحنيفة. وتظهر عظمة التمسك بالأصول الإسلامية عند حدوث الفتن واشتداد الخطوب. وقام جمهور العلماء في هذا البلد الملتزم بتعاليم الدين الحنيف بإيضاح الحكم الشرعي في مسألة التظاهر وأعمال الشغب، فجزاهم الله خير الجزاء وثبتهم على الحق ووفقهم لبيانه. وجاءت الفتاوى بحرمة التظاهر وأعمال الشغب في هذا البلد الكريم لتخرس المحرضين وتطفئ نار مشعلي الفتن وتخيب خططهم لهز استقرار هذا البلد. ولا أعتقد أن هناك خوفا على هذا البلد وقيادته ما دام الشرع مرجعاً ومقدماً على كل الأنظمة والقوانين وحاكما للعلاقة بين القيادة وشعبها. لقد وفر رجوع الشعب وقادته إلى حكم الشرع صمام الأمان لهذه البلاد العزيزة وشعبها الكريم وسيستمر ـــ بإذن الله ـــ تمسك هذه الأمة بمبادئها حتى يرث الله الأرض ومن عليها.