رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


التغير وليس التغيير!

في ظل هذه الزوبعة من الأحداث المتسارعة والكبيرة والمتوالية في المنطقة تختلط المفاهيم وتتداخل المعاني ويتحول البعض إلى مرددي شعارات ومحاولين أو متطلعين إلى تقليد ما يجري في مجتمعات أخرى تختلف جذريا عن السعودية، يعزز ذلك ما يرونه من انخفاض في مستوى الأداء الحكومي في تحقيق متطلباتهم وطموحاتهم على الرغم من الإنفاق السخي للدولة، وهو ما يطرح في أذهانهم تساؤلات كبيرة يعجزون عن فهمها، فضلا عن الإجابة عنها، ويتولد لديهم إحساس بالظلم والإحباط. وعلى أن هذا ليس خفيا على ولاة الأمر، وهناك محاولات إصلاحية جادة لم تتوقف منذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز - رحمه الله - يجسدها في الوقت الحاضر الملك عبد الله في دفعه جهود الإصلاح في كل اتجاه منذ توليه سدة الحكم في البلاد. قد لا تكون تأثيراتها ظاهرة جلية حاضرة في المدى القصير، لكنها بكل تأكيد ستؤتي ثمارها - بمشيئة الله - على المدى الطويل. فعلى سبيل المثال نتائج تطوير التعليم العام والتعليم الجامعي تستغرق وقتا لحين ظهورها وهكذا الكثير من السياسات الإصلاحية التي تبناها. والحقيقة أن الملك عبد الله - حفظه الله - أسس لثقافة سياسية جديدة مبنية على الحوار والانفتاح على الرأي والرأي الآخر، والدفع نحو مزيد من تسخير السلطة العامة من أجل خدمة الناس. هذا النهج الإصلاحي الحضاري يأتي امتدادا لسياسة الباب المفتوح لنظام الحكم في السعودية، بل إن التأسيس لهذا الكيان الكبير المملكة العربية السعودية هو بذاته عملية إصلاحية كبيرة انتشلت أهل الجزيرة العربية من التخلف والجوع والخوف والتشرذم والحروب والصراعات الدامية وتحولت بهم إلى دولة موحدة قوية متماسكة تنعم بالأمن والأمان والنماء والإيمان، قوامها شرع الله والتقاليد العربية الأصيلة. في هذا السياق ربما كان من الأجدر طرح سؤال في غاية الأهمية يدور في أذهان الكثيرين عند نقاش وضعنا الداخلي: هل النظام السياسي السعودي نظام ملائكي خال من العيوب والنواقص؟ والجواب بكل صراحة ووضوح وواقعية لا، فهو بطبيعته الإنسانية يعتريه من النقص ما يعتري غيره من الأنشطة والعمل الإنساني. والمسألة لا تعدو كونها نسبية، فكفى النظام، أي نظام أن تعد معايبه. وهذا ما تؤكده القيادة السياسية بكل شفافية ومصداقية ليس قولا فقط، بل فعلا، فهيئة حقوق الإنسان، وهيئة محاربة الفساد، والعمل على معالجة البطالة، والتأسيس للحوار الوطني لمناقشة توجهات الرأي العام وغيرها من الكيانات والسياسات والأنظمة تدل دلالة واضحة أن هناك حركة إصلاح ونوايا صادقة ورؤى تجديدية أساسها الاعتراف بالقصور ورغبة أكيدة في معالجة المشكلات والبحث عن أوضاع مثالية.
التغير سنة كونية حتمية، فالصغير يكبر والكبير يهرم، وفي كل مرحلة من هذه المراحل تتطلب آليات وأفكارا جديدة للتعامل معها. هذه التغيرات تعتري الأفراد والمنظمات والمجتمعات والدول على حد سواء، والكيَّس من فطن لهذه التغيرات وعمل للإعداد لها بما يتناسب مع معطياتها الجديدة. فما كان بالأمس مقبولا لم يعد كذلك؛ لذا يكون من الخطأ والجهل الاستمرار على النهج ذاته والبقاء في المكان ذاته والاكتفاء بما تم إنجازه دون التطلع إلى المزيد. الأجيال تتغير وتتغير معها احتياجاتها ولا يمكن تصور أن احتياجات الجيل السابق بثقافته وتجاربه وخبراته هي ذاتها احتياجات هذا الجيل الذي فتحت له الدنيا أبوابها على مصراعيها، فالمعلومات أصبحت تنتقل بسرعة البرق من أقصى العالم الى أقصاه دون شرط أو قيد. وألغى الفضاء الافتراضي الحدود بين الدول ليكون لدينا المواطن العالمي يسبح في تلك الفضاءات حيث يشاء، وينتقل أينما أراد ويسمع ويتحدث بكل شيء. هذا الوضع الجديد رفع سقف التوقعات وزاد من ثقافة المواطن في كل مكان وتغير نمط استهلاكه ورؤيته لما يدور حوله وأصبح يقف بجانب الآخرين ويقارن أداء وإنجاز دولته ليس بمرجعية تاريخية وما تم إنجازه في الماضي، لكن بمقاييس حديثة واقعية لمجتمعات أخرى أكثر تطورا. هذا يستدعي وعلى وجه السرعة - تفوق سرعة التغيرات من حولنا - إعادة النظر في آليات وهيكل صناعة وتنفيذ السياسات العامة لتكون أكثر انسجاما واستجابة لمتطلبات هذا الجيل العصري.
المطلب هنا التغير وليس التغيير؛ إذ إن قيمنا السياسية وتقاليدنا الاجتماعية مبنية على المبادئ الإسلامية العظيمة، وهي من الثوابت وأساس الهوية الوطنية، ولا يمكن تخيل التنازل عنها، فذلك معناه الفناء والتبدد وضياع المجتمع وانقطاع الحبل المتين الذي نتمسك به إخوانا. المطلوب هو التغير، أي تطوير هياكل وآليات جديدة من داخل نظامنا السياسي منطلقة من جذورنا الإسلامية وتقاليدنا وقيمنا العريقة التي ضمنت وحدتنا على مر الدهور. لكن ثمة حقيقة لا مواراة فيها، أن هناك الكثير من المتغيرات على الساحتين الداخلية والخارجية تتطلب نوعا جديدا من التفكير ونهجا سياسيا يعزز قيمنا السياسية، وفي الوقت ذاته يستجيب لهذه المستجدات بكفاءة وفاعلية. الوضع الإداري الحكومي الذي من خلاله تتم صناعة وتنفيذ سياسات الدولة يعتمد على المركزية الشديدة والبيروقراطيات الجامدة دون أن تكون هناك رقابة اجتماعية توجهها وتستحثها على الأداء وتلبية مطالب الناس كما ونوعا وجودة؛ فالبيروقراطيات المركزية بعيدة كل البعد مكانيا وموضوعيا عن سكان المناطق والمحافظات والمدن ولا تستطيع مهما أوتيت من إمكانات أن تدرك الاحتياجات الفعلية لتلك المناطق والمحافظات التي تبعد عنها مئات الكيلومترات. ربما فسر ذلك تدني مستوى الأداء الحكومي على الرغم من الإنفاق السخي للدولة. فغياب التنمية الاقتصادية المحلية بسبب ضآلة الصلاحيات الإدارية والمالية لمجالس المناطق والمحافظات والبلديات أدى إلى تفاقم نسبة البطالة وتحول الاقتصاد إلى كعكة يقتات عليها القطاع الخاص دون مشاركة لفئات المجتمع، بدليل وجود ستة ملايين أجنبي يشغلون وظائف في القطاع الخاص. ما نحتاج إليه هو الإصلاح وإحداث تغير داخل المنظومة السياسية والإدارية يكون أكثر قدرة على استشفاف الرأي العام عبر قنوات رسمية للتعبير والمشاركة في صناعة القرارات لتكون أكثر انسجاماً واستجابة لاحتياجات الناس الحقيقية وتملك قضاياهم والإسهام في عملية التنمية الوطنية.
وخلاصة القول، يجب عدم الخلط بين التغير والإصلاح والتطوير من خلال ثوابتنا الوطنية، وهو أمر مشروع ومتاح، والتغيير المتطرف الأعمى الذي تغذيه أطراف خارجية فكرية أو مذهبية تدعو إلى هدم بيتنا الكبير والكيان الذي شقي من أجله الأجداد وبذلوا أرواحهم ودماءهم رخيصة في سبيله. وإن كان للناس من حولنا ثورة يفرحون بها، فحق لنا أن نفخر بثورة قادها عبد العزيز ومعه جميع أبناء هذا البلد قبل أكثر من قرن. ثورة على الظلم والطغيان والجهل والفقر والمرض والفرقة والتنازع والكراهية. النظام السياسي ليس شكلا وأسماء وشعارات، إنما بذل وعطاء وكل ما ينفع الناس ويحفظ حقوقهم وأعراضهم وأموالهم. نعم نحتاج إلى التغير والتطور والنماء وإحداث نقلة نوعية في نظامنا السياسي وإدارة المجتمع وإصلاحات تقضي على الفساد وتصلح الحال وتعزز الانتماء الوطني وتحفظ الحقوق وترفع من مستوى معيشة المواطن وتضمن استمرارية نظامنا، لكن لا وألف لا للتغيير، فهذا يمسنا جميعا دون استثناء، ولن يسمح الشعب السعودي الأبي المؤمن الفطن بجميع فئاته لكائن من كان أن يمس وحدتنا ويفسد اجتماعنا ويعبث بمقدراتنا بحجج ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب. عاشت المملكة العربية السعودية حرة أبية وحفظها الله من كل سوء وجعلنا من أبنائها البررة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي