الاقتصادات العربية بعد الثورات الشعبية.. مصر نموذجا!
تتعرض بعض الدول العربية في هذه الأيام لعدد من الثورات الشعبية التي تستهدف الإطاحة بالأنظمة السياسية القائمة وإحلال أنظمة ديمقراطية محلها تعطي الشعب حقوقه الاقتصادية والسياسية المخطوفة.
وإذا رجعنا إلى المطالب الأولى لثورة الشباب التي اندلعت في مصر في 25 كانون الثاني (يناير) 2011، نجد أنها كانت مطالب اقتصادية في الدرجة الأولى، وكانت تنحصر في القضاء على البطالة، ورفع الأجور المتدنية، والسيطرة على أسعار السلع والخدمات التي شهدت ارتفاعات جنونية في السوق المصرية في الآونة الأخيرة.
وليس المصريون وحدهم هم الذين ينشغلون بالاقتصاد المصري، بل حتى أشقاؤهم العرب ينشغلون بالاقتصاد المصري، ونذكر - على سبيل المثال - أن استثمارات السعوديين في مصر في عهد الرئيس مبارك تجاوزت الـ 30 مليار جنيه، ولذلك فإن السعوديين قلقون ودائما يسألون عن مستقبل الاقتصاد المصري بعد ثورة الشباب.
ويبدو من تطورات الأحداث أن الاقتصاد المصري لن يشهد تحسنا في المدى القصير، لأن أرتال الفساد الإداري والمالي متجذرة وعميقة وتحتاج إلى وتيرة أسرع في تنفيذ الإصلاحات السياسية التي ستلعب دورا أساسيا في سرعة تحسين أجواء الاقتصاد في المدى القصير والمتوسط.
ولا شك أن سرعة معالجة الفساد المستشري في كل قنوات النظام البيروقراطي المترهل ستساعد كثيرا على خروج الاقتصاد المصري من الأغلال، كما أن عودة الروح إلى الإنسان المصري وزيادة إنتاجيته ستساعدان كثيرا في الوصول إلى مطالب الشباب، وثالثة الأثافي أن الاقتصاد المصري في حاجة إلى إصلاح الهياكل الاقتصادية المثقلة بكثير من الأمراض، ونذكر - على سبيل المثال - أن عجز الموازنة بنسبة تصل إلى 9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي تعتبر نسبة عالية، وهذه النسبة لا تساعد على تنفيذ المطالب التي يطالب بها الشباب، يضاف إلى هذا أن الإيرادات الضريبية التي كان يجب أن تكون أحد أهم مصادر الدخل لا تتجاوز الـ 15 في المائة من الناتج المحلى الإجمالي، وهي نسبة منخفضة جدا إذا قيست بالإيرادات الضريبية في الدول المتقدمة والناشئة، ونذكر بهذه المناسبة أن الناتج المحلي الإجمالي في تركيا أكثر من ضعف الناتج المحلي الإجمالي في مصر، ويجب ألا يغرب عن بالنا أن المساعدات الأمريكية التي تبلغ مليارا ونصف المليار دولار سنويا هدفها تحقيق تطوير حقيقي في هياكل الاقتصاد المصري، ولكن ما حدث هو أن الفساد ساعد على نشوء طبقة طفيلية من المنتفعين الذين عطلوا محركات الاقتصاد المصري.
ولذلك فإن مصر في حاجة ماسة إلى إعادة هندسة هياكلها الاقتصادية جنبا إلى جنب مع تنفيذ حزمة الإصلاحات السياسية التي تستهدف تحويل النظام من نظام ''موناركى'' إلى نظام ديموقراطي يتمتع بحرية اقتصادية وسياسية واسعة الأرجاء، وفي هذا الإطار لا بد من رسم حدود فاصلة وواضحة بين السلطة والثروة؛ لأن وزارة رجال الأعمال في العهد السابق مارست على نطاق واسع ما يسمى بـ ''رأسمالية المحسوبيات''، كذلك لا بد من وضع سياسة واضحة لدعم القطاع الخاص ليقوم بدوره في تحقيق مطالب الشباب.
ويبدو أن سرعة تنفيذ الإصلاح السياسي المتمثل في تعديل بعض مواد الدستور مثل انتخاب الرئيس لولايتين فقط، حيث لا تتجاوز الولاية خمس أو أربع سنوات، وكذلك وضع قواعد عادلة لتحقيق انتخابات نزيهة وشفافة لمجلسي الشعب والشورى والمجالس المحلية.. هذه الإصلاحات ستساعد كثيرا على بث الثقة في الاقتصاد وستساعد على عودة تدفق الاستثمار الأجنبي إلى شرايين الاقتصاد المصري.
وإذا عاد الاستثمار الأجنبي، فإن المزيد من الاستثمارات ستتدفق إلى مصر، ولا شك أن توظيف هذه الاستثمارات سيؤدي إلى خلق مزيد من الوظائف لعلاج معضلة البطالة، وكذلك تحسين مستوى الرواتب والأجور.
أمّا قضية السيطرة على الأسعار، وبالذات أسعار السلع الزراعية، فإن مصر لم تعد دولة تعنى بالزراعة كما كانت على مدى تاريخها الطويل، بل أصبحت مصر للأسف تهمل الزراعة وتستورد السلع الزراعية من الخارج وتتحمل كل الزيادات في الأسعار التي أخذت تجرف العملة الصعبة من الخزانة المصرية، يضاف إلى هذا أن الاقتصاد المصري بات يدفع ثمن ابتعاد مصر عن التصنيع والاتجاه نحو تجارة الخدمات؛ مما جعلها تتحول إلى دولة مستوردة لكثير جدا من السلع الغذائية والصناعية باهظة الثمن.
ولذلك، إذا كانت الأسعار ترتفع في الأسواق الخارجية، فإن الحكومة المصرية لا تستطيع أن تسيطر على ارتفاعات الأسعار الآتية من الخارج والتي تفوق قدرة الشارع المصري الذي يئن من انخفاض شديد في مستوى الرواتب والأجور.
إذن المطلوب وضع سياسة زراعية وصناعية تقوم على أساس العودة إلى إنتاج المحاصيل الزراعية على الأرض المصرية، وكذلك العودة بقوة نحو سياسة صناعية واسعة الأرجاء، الهدف منها توطين التصنيع وخلق وظائف كثيفة للشباب وكفاية السوق المحلية بالمنتجات المصرية.
إن زيادة الأجور التي يطالب بها الشباب (وهم محقون جدا في هذه المطالبة) تكون مرغوبة إذا كانت نتيجة وليست سببا، نتيجة لزيادة صافية في الإنتاجية، بمعنى أن الزيادة المطلوبة في رواتب العاملين يجب أن تكون من إنتاجية هؤلاء العاملين وليس من الحكومة، أمّا إذا ُأجْبرت الحكومة على زيادة الرواتب ولجأت إلى طبع كميات هائلة من النقود، فإن هذه الزيادة سيترتب عليها حدوث موجات من التضخم وزيادة الأسعار، وعندئذ نعود مرة أخرى إلى نقطة الصفر، حيث يعاني الشباب من ارتفاع الأسعار وانخفاض الأجور؛ ولذلك نؤكد أن الحكومة لا تستطيع أن تضبط الزيادة في الأسعار إلاّ إذا قام الموظفون والعاملون بزيادة إنتاجيتهم بنسبة الزيادة في الأجور نفسها.
وواضح مما سبق أن تحسين مناخ الاقتصاد المصري في المدى القصير يبدو صعبا، ولكن في المدى المتوسط فإنه من الضروري الانتهاء من روزمة الإصلاحات السياسية وأهمها تعديل الدستور وتشكيل حكومة من التكنوقراط وتنفيذ انتخابات رئيس الجمهورية وانتخابات مجلسي الشعب والشورى.
وإذا حدث هذا ودارت عجلة السلطة في ظل نظام ديمقراطي شفاف، فإن الإصلاح يجب أن يطول جميع هياكل الاقتصاد المصري على الوضع الذي أشرنا إليه آنفا.
أّمّا إذا تأخر المُشَرّع المصري في تنفيذ حزمة الإصلاحات السياسية والاقتصادية، فإن الثقة في الاقتصاد المصري تتراجع ولن يتحسن الاقتصاد لا في المدى القصير ولا المدى المتوسط.