عشر أقدام لا تكفي!

والأقدام العشر وضعت لتكون المقياس الأفضل والأكثر ملاءمة لمشاهدة صندوق العجائب «التلفاز»، ولكن هل ألمسافة الفيزيائية كافية لحمايتنا من الأضرار الجانبية لمتابعة صديقنا الملوّن؟
استطيع العودة إلى الوراء وتذكر - بمساعدة والديّ - تجربتي الأولى مع التلفاز، ومع أنها ضبابية إلا أنني ممتنة له بطريقة أو بأخرى بتطوير قدرتي السردية.
قصتي الحركية الأولى أجدتها بمساعدة الثنائي «توم وجيري»، وقد أكون اقتبست صورة الحياة التي أعرفها اليوم من حلقاتهما المشحونة بالخيال والمغامرات.
وبين توم وجيري والتلفزيون الافتراضي والتقليدي الذي يخطف ساعات يومنا الآن، تحولات وقصص وصور تعلق وصور تتبخر مع الزمن.
وأستطيع أيضا من جهة أخرى ربط تجربة الهلع من السير في ممر طويل في شارع خالٍ أو مجمع تسوق بإحدى مشاهد أفلام الرعب، التي يركض فيها البطل والبطلة خشية أن يمسك بهم قاتل محترف من الخلف.
ذات الشعور يزورني عندما أصعد الدرج متخيلة أن ثقبا ما سيظهر في إحدى الدرجات.
والحديث عن المخاوف وغيرها من الأحكام المسبقة عن الحياة والتي تولدها متابعة ما تعرضه قنوات التلفاز ويستقبله المشاهد مخدرا بكامل إرادته ينقلني للحديث عن برنامج بدأت قناة بي بي سي 2 عرضه في كانون الثاني (يناير) 2011م، برنامج يتحدث عن «كيف أفسد التلفاز حياتك – How TV Ruined Your Life والاسم طبعا يعطي نبذة سريعة ومختصرة عن محتواه.
يكتبه ويعدّه تشارلز بروكر الصحفي والكاتب الساخر والمذيع البريطاني، وقد اشتهر بعموده الناقد للتلفاز في جريدة الغارديان البريطانية لمدة عشر سنوات بين العامين 2000 و2010م.
ما دفع تشارلز لكتابه وإعداد مثل هذا البرنامج هي حالة «الغضب» كما يصفها ويصفها النقاد الذين تناولوا برنامجه الحديث بالتحليل.
التلفاز يضع في عقول المشاهدين الكثير من التصورات المغلوطة ويبرمجهم بلا توقّف!
في الحلقة الأولى مثلا تناول البرنامج الخوف كموضوع، وشرح كيفية انتقال الفوبيات وحالات الهلع الجماعية من الشاشة إلى أرض الواقع في وقت قصير.
ولأن الصورة أبلغ من التعليق دائما، يمتلئ برنامج بروكر بمقاطع ارشيفية من نشرات أخبار، مسلسلات تلفزيونية، افلام توعوية وسينمائية والقائمة لا تنتهي سواء كانت من إنتاج بريطاني أم من التقاطاته العالمية!
يكتفي تشارلز بالتقديم للمشكلة ويتابع المشاهد أحد الأمثلة التي يدرجها، ليسافر - وهو في مقعده - بالزمن إلى المرة الأولى التي شاهد بها هذه الصورة وكيف تغيرت حياته بعدها.
بهذه الطريقة يركز البرنامج على الفجوة التي صنعها الوقت بين التفاز وبين الواقع، وفي طريقه لذلك يثير دهشتنا تجاه ما لم نلحظه من قبل.
لكنه لا يتبع أسلوب المكاشفة العنيفة أو المبالغة في تصوير الغضب، إنه يضع ذلك كله في إطار كوميدي ساخر، يسخر من خوفنا المفتعل، يسخر من نجاح المسلسلات المئوية الحلقات في تلميع صور فئات من المجتمع وإثارة غيرتنا نحوهم والقائمة لا تنتهي!
ولا ننسى\ينسى بروكر نشرات الأخبار والقنوات الإخبارية بشكل عام، يذكرنا بنشرات الأخبار قبل عقود، وكيف كانت الكلمة غالبة والصورة هامشية، لا نشرات تفتتح بصور متلاحقة وموسيقى تصويرية مبالغ في عزفها!
المشاهد يجلس أمام نشرة الأخبار لتعرض وتفسّر ما يحدث دون إضافة عناصر محفزة للتفاعل.
بل على العكس كانت نشرة الأخبار وجهة التطمين الأولى للمتابعين عندما يقفلون أبوابهم خشية العالم الخارجي.
ما زال البرنامج في موسمه الأول بعنوان لافت لكلّ أسبوع، ومع أن الكثيرين منا يعرفون معنى أن يفسد التلفاز جانبا من حياتهم سواء كانت مساحة الإفساد هذه كبيرة أم صغيرة، إلا أن الكثيرين من جهة أخرى ما زالوا يجهلون هذه الحقيقة!
الحديث عن التلفاز يأخذنا للشاشات التلفزيونية الافتراضية التي وجدناها في أجهزة الكمبيوتر، هل سيأتي بروكر جديد بعد عدة سنوات لنقد تجربة الإنترنت في «إفساد» رؤيتنا للواقع؟
ننتظر، ونتأهب إذاً!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي