حتى لا تخسر أموالك في السوق المالية المريضة.. الحل المنشود
مع إطلاق هيئة السوق المالية، كنت أخشي أن تهتم الهيئة بحماية نفسها وتنسى حماية السوق, ومع ذلك كنا نطالب بإعطائها فرصة للعمل ومنحها ثقة أكبر؛ لأنها بالكاد بدأت ولعلها تستطيع إصلاح السوق، فما عسانا نقول وقد مر الآن ما يقرب من ثماني سنوات، والهيئة تعمل لكن لا أثر لعملها سوى في زيادة عدد الشركات (تمسيهما عمقا وهي مجرد زيادة شكلية غير موضوعية، فبعض هذه الشركات زادت من أعباء السوق وأضعفت الثقة بها أكثر)، ومع الانهيار الأخير للسوق ــــــ وكما جرت العادة ــــــ تختفي الهيئة خلف جدار الصمت تاركة المجال لتصريحات مثيرة لعدد من رجال الأعمال والتنفيذيين الحكوميين، وكم كبير من الأسئلة حول قانونية هذه التصريحات. والآن تحاول السوق الوقوف على أقدامها مستندة إلى هذه التصريحات، فإذا خف الزخم عادت إلى فراشها مرة أخرى في انتظار تصريح من وسيم آخر. السوق مريضة بلا شك، فما المرض وما العلاج؟
دائما نقول إن السوق المالية مرآة الاقتصاد, هذه إحدى أهم سمات السوق المالية الجيدة، لذلك أجمل ما قامت به شركة تداول هي إعادة هيكلة قطاعات السوق لتعكس القطاعات العاملة في الاقتصاد. نستطيع أن نكشف التوجهات الاقتصادية والمحلية والعالمية مع حركة الأموال والتداولات بين هذه القطاعات، لكن هذه النتيجة مشروطة بالشركات الجيدة والقوية في كل قطاع. مثلا، نحن نعرف أن هناك ارتفاعا في أسعار الغذاء في العالم، ومع ذلك فإن قطاع الشركات التي تهتم بالغذاء ومنها الزراعية في السوق المالية لدينا يعكس وضعا مترديا.. فلماذا؟ هذا يقودنا إلى نوعين من الاستنتاجات، إما أن الاقتصاد السعودي ككل يعمل عكس التيار، وهناك ضعف في التوجهات لدعم هذا القطاع المهم, وبهذا قد نصبح عالة على العالم, وإما أن السوق المالية لا تعكس حقيقة التوجه الاقتصادي المحلي. لحسم الخلاف لا بد أن نطمئن بأن السوق المالية قد حوت أفضل الشركات في هذا القطاع ذلك أن وجود الشركات المتميزة خارج السوق، بينما تتداول السوق الشركات الرديئة فقط, يعني أن السوق مريضة ولا تعكس حقيقية الاقتصاد. وهذه قاعدة اقتصادية مشهورة (العملة الرديئة تطرد الجيدة من السوق)، ذلك أن من لديه شركة جيدة وتدر له عوائد ممتازة فإنه سيحتفظ بها، بينما تبقى للسوق وللتداول الشركات الرديئة فقط. هذا أخطر أمراض السوق السعودية أن لديها عددا كبيرا من الشركات المريضة. شركات لا تعكس حالة الاقتصاد، شركات لا يثق بها المتداولون, وقد أشرت في مقال سابق إلى وجود ما يزيد على 43 شركة لديها خسائر متراكمة تبلغ 40 في المائة من رأسمال الشركة في المتوسط وفي كل القطاعات، وشركات لا تدفع توزيعات نقدية وبعضها توزع مرة وتنسى سنوات، ولا توجد آلية معلنة ليتابع المستثمر مستحقاته لدى الشركة. لا شك في أن هناك شركات متميزة في السوق وتعكس فهما راقيا للشركة المساهمة, لكنها ضمن سوق تعج بالغث والسمين, لذا تتأثر بالسلوك العام للتداول, حيث لا توجد حماية حقيقية لسهم هذه الشركة.
للحل لا بد من إنشاء سوق مالية حقيقية, وعندما أقول إنشاء ذلك أنني أعتقد أن السوق التي لدينا ليست رئيسة إنما ثانوية، سوق تعج بشركات فاشلة وشركات لم تلتزم بالقواعد سواء في الإفصاح أو الحوكمة أو التوزيعات أو الخطة الاستراتيجية الواضحة أو النمو المطلوب. وإذا كنا نسمع أسبوعيا عن موافقة وزارة التجارة على إنشاء شركة مساهمة مقفلة، وإذا كان نصف هذه الشركات المقفلة قد تتحول إلى عامة، فإن الوضع سيزداد سوءا مع قادم الأيام. إن حماية الاقتصاد والاستثمارات ودور الهيئة يقتضي إنشاء سوق رئيسة بشروط صارمة جدا للإدراج، الهدف منها حماية المستثمر الصغير فلا يتم التداول فيها إلا من خلال الوسطاء، وهؤلاء الوسطاء يجب أن تكون لديهم خبرة عالية ومهنية كبيرة وتاريخ متميز من النمو والربحية العالية. يجب أن يكون الإدراج في هذه السوق ميزة لا تنالها إلا الشركات المتميزة, وبذلك تصبح علامة للجودة, فيحق لمجلس الإدارة والمدير التنفيذي الذي استطاع أن يصل بشركته إلى مستوى الإدراج في السوق الرئيسة الفخر بذلك ولشركته السمعة العالية.
هذه السوق تكون منفصلة تماما عن السوق الثانوية (الحالية), وهذه الأخيرة تظل على حالها سوقا يدخل فيها من يشاء إذا أكمل الشروط القانونية، وعلى المستثمر الصغير أن يعرف أنها سوق خطرة والشراء فيها خطر, فالشركات فيها لم تكمل شروط الإدراج الصحيحة, والهبوط فيها قد يكون متوقعا في أي لحظة، وعليه وحده أن يتحمل المخاطر. كما تظل هذه السوق الثانوية بمنزلة مرحلة تمهيدية واختبار للشركة الجيدة قبل أن تلتحق بالسوق الرئيسة.
للحل لا بد من إنشاء شركة أو شركتين تسهم فيها الدولة والبنوك والصناديق الاستثمارية (جبرا) ومن يرغب بعد ذلك، هدفها صناعة السوق الرئيسة وحمايتها من التقلبات الفجائية, ما يخلق حالة من الاستقرار, فلا صعود مبالغا فيها ولا هبوط مبالغا فيه. وإذا حصل هبوط فإن السوق تستطيع استعادة توازنها بسرعة؛ لأن ثقة المستمرين عالية بها, بل عندما تسوء الأحوال في السوق الثانوية، فإن الأموال ستتجه طواعية للسوق الرئيسة طلبا لحماية الاستثمارات, وبذلك نخلق مستويات متعددة من الملاذات الأمانة قبل الذهب.
للحل لا بد من منع أي محلل من التحدث عن السوق المالية الرئيسة أو يقدم تحليلا أو توصيات أو توقعات عنها إلا إذا كان مرخصا له بذلك, ولا يحق لأي طرف مهما كان أن يقدم النصح أو التوصية أو يدعي معرفة بحالة السوق الراهنة أو السابقة، إلا إذا كان مصنفا ومرخصا له في الهيئة ضمن المكاتب الاستشارية المرخص لها.
إذا كنا نريد خلق سوق حقيقية، سوق تعكس الاقتصاد وحماية للمستثمر الصغير، فلا بد من إرادة حقيقية للإصلاح. والله أعلم ودمتم سالمين.