رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الثورة العربية المعاصرة من وجهة نظر غربية

في مقال سابق قلت إنه لن يكون هناك تفسير واحد محدد لما جرى ويجري في بعض البلدان العربية من ثورات وانتفاضات أطاحت حتى الآن بنظامين عربيين. بيد أن هناك قواسم مشتركة ستجمع المحللين والمؤرخين وأصحاب الاختصاص في تفسير هذه الظاهرة.
لا نستطيع إنكار العوامل الظاهرة التي تشترك فيها معظم الأنظمة العربية منها: الظلم، الفساد، غياب العدالة في توزيع الثروة، البطالة، تدني مستوى الخدمات الاجتماعية, فقدان الحريات والشفافية, وعدم الفصل بين السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية.
أما العوامل الكامنة أو غير الظاهرة للعيان فلها ـــ في رأيي ـــ تأثير قد يفوق العوامل الظاهرة. وهنا قد نختلف نحن أصحاب الاختصاص في التفسير. وقد تحدثت عنها في الرسائل السابقة وأكدت أن هذه النهضة والثورة المباركة تستمد الكثير من القوة والعزيمة من الدين الإسلامي الحنيف وإعادة قراءته واستيعابه من قبل ملايين الشباب العربي والمسلم بما يوائم عصرهم الحديث، وما مشاهد الملايين وهي تقبّل الأرض في مصر وتركع وتنهض وترفع أبصارها إلى السماء في صلاة جماعية مهيبة اهتز العالم لها إلا دليل على دور الإسلام وقرآنه في هذه النهضة.
والعامل الكامن المؤثر الآخر سياسي بامتياز. لقد ملّ العرب, لا سيما شبابهم, سياسة الخنوع والطاعة العمياء للإملاءات الغربية والإسرائيلية. الشباب العربي له أفق أخاذ واسع, والكرامة والشهامة والعزة خصائص عربية أصيلة داست عليها أغلبية الأنظمة العربية عندما وضعت مصيرها في يد الغرب المنافق. إلى هنا لا أعتقد أنني سأكون على خلاف كبير مع قرائي الأعزاء.
ولنلق الآن الضوء على عوامل غير مرئية من وجهة نظر غربية، قرأتها في واحدة من أكثر الصحف الغربية انتشارا وتأثيرا. وقبل أن أفصح عن اسم الصحيفة وكاتب المقال الذي يشار إليه بالبنان في الغرب, وهو أشهر من نار على علم عندهم عندما يتعلق الأمر بتفسير كل ما يتعلق بالشأن العربي والمسلم، بودي إيجازها للقارئ الكريم.
هل تعلمون أن من جملة ما يذكره هذا الكاتب العلامة من أسباب غير مرئية للثورة العربية هي الطريقة التي تحاسب بها إسرائيل مسؤوليها فيذكر محاسبة إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، لتلقيه رشا، ومحاسبة رئيس الدولة السابق، موشي كستاف، بسبب تحرشه الجنسي، من العوامل غير المرئية التي ألهمت ثوار ساحة التحرير في مصر. السياسات الإسرائيلية الجهنمية واحتلالها البشع للأراضي الفلسطينية واضطهادها وظلمها الفلسطينيين وتدنيسها المقدسات الإسلامية لم تثر قيد أنملة من مشاعر الغضب للثوار على نظامهم المتخاذل الملبي للإملاءات الغربية، حسب رأي الكاتب. أليست هذه إهانة في حق هؤلاء الثوار الشباب الذين يقف ليس العرب, بل العالم إجلالا لما قاموا به؟
والعامل الآخر، في رأي هذا النابغة، هو وصول باراك أوباما ذي الأصول الإفريقية إلى سدة الرئاسة في أمريكا, فالشباب العربي رأى في وضعه الاجتماعي المتواضع واسم والده "حسين" وكون جده مسلما, دافعا قويا للنهوض ضد الأنظمة الفاسدة.
ومن القوى الكامنة الأخرى التي ألهمت الشباب المصري ـــ حسب رأيه ـــ كانت أولمبياد بكين، وخرائط جوجل, حيث استطاع الشباب تقديم دليل على القصور والأراضي الشاسعة التي يملكها الحكام.
وآخر عامل يذكره، وهو أشبه بنكتة سياسية، هو وجود السيد سلام فياض، رئيس وزراء السلطة الفلسطينية، الذي ألهم الشباب المصري بما قدمه من إنجازات ملخصها أن حكومته يجب تقييمها "في كيفية تقديمها للخدمات وجمعها للقمامة وخلقها فرص العمل, وليس ببساطة في كيفية مقاومتها للغرب وإسرائيل" وكأن النظام المصري السابق كان لا همّ ولا غمّ له غير إعادة الحقوق المغتصبة في فلسطين ومقاومة إسرائيل وفك الحصار عن غزة.
هذا ملخص للقوى الكامنة التي ألهمت الشباب في مصر وجعلتهم يثورون ويطيحون بنظام الحكم هناك. أنا لم أكتب هذا وهو ليس من بنات أفكاري, لكنني أستميح الثوار عذرا لأنني نقلته، لأنه يحط من قدرهم وشأنهم. لكن عذري هو أنني نقلته كي يعرف الشباب العربي كيف ينظر إليه الغرب المنافق.
فلا مكان للإسلام كقوة خارقة للتغيير نحو الأفضل في فكر هذا الكاتب وصحيفته, ولا مكان للثقافة العربية والإسلامية في منهج هؤلاء الشباب, ولا مكان للرسالة التي أتى بها رسول الإسلام، ولا دور للطبري واليعقوبي وابن هشام والمسعودي وابن خلدون وغيرهم من أعلام العرب في العصر الحديث من أمثال الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والعقاد والكواكبي واليازجي وغيرهم في فكر هؤلاء الشباب الذين، حسب عقل هذا الكاتب، قد أخد إيهود أولمرت وموشي كستاف وسلام فياض وباراك حسين أوباما وأولمبياد بكين بألبابهم.
هل تعلمون أي صحيفة وأي كاتب يبثان أفكارا عفنة كهذه؟
إنها جريدة "نيويورك تايمز" وكاتبها المخضرم توماس فريدمان في آخر عمود نشره في الفاتح من آذار (مارس).
لم يبق لفريدمان وجريدته إلا أن يضيفا الغزو الأمريكي المدمر والكارثي للعراق وأفغانستان إلى العوامل التي ألهمت ثورة ساحة التحرير في مصر.
وكان الله في عون العرب والمسلمين.
وإلى اللقاء.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي