وقعت الفأس في الرأس
غضب الشارع العربي وصل حده بعد تراكم سوء الأداء إلى حد رفض التساؤل حول الخيارات الممكنة. تعيش كل المجتمعات تحت مظلة أدائها السياسي، الاجتماعي، والاقتصادي الذي خذل شعوبها؛ بأن المطالب الجمعية غير عقلانية بطبعها، لذلك يصعب أيضا أن تحقق اختراقا فيها كلها في نفس الوقت.. السياسي والاجتماعي قريب إلى العاطفة وأصعب في القياس، وللطباع والمزاج النابع من ثقافة المجتمع دور محوري فيه؛ ولكن الاقتصادي هو الأقرب إلى الناس معيشياً والأكثر قابلية للقياس. بما أن الشرارة الأولى لهذه الأحداث المجلجلة اقتصادية، دعنا نتساءل حول آفاق العامل الاقتصادي.
منذ عام 2004 حقق الاقتصاد المصري نقلة نوعية ليس في أرقام النمو التي وصلت إلى 6 في المائة سنويا فحسب، ولمدة تزيد على خمس سنوات متتالية، بل في تسهيل وجذب استثمارات أجنبية، وتأسيس طبقة وسطى مؤثرة، إلا أن مصر لم تستطع التخلص من رأسمالية الحكومة، وعلاقة ذلك بالفساد وتوزيع الأراضي. الخوف اليوم أن تكون الردة الشعبية بالرجوع إلى اقتصاد حكومي أكثر شعبوية، وتزايد في توظيف الحكومة لكثير من غير المؤهلين، كما فعلت مصر أثناء الحقبة الناصرية. ما يحدث في مصر مهم جدا لأنه سيؤثر في دول المنطقة. دول المنطقة أخذت على عاتقها زيادة التعويضات المالية للناس كردة فعل في الغالب غير مدروسة، وكذلك بدأت في زيادة الكادر الوظيفي الحكومي المتخم أصلا. الإشكالية أن زيادة أعباء الميزانية بتكاليف ثابتة ستخلق مشاكل لاحقا على أكثر من مستوى، ستكون على حساب المبالغ الممكن استثمارها في البنية التحتية. سيطرة القطاع العام على الاقتصاد ستعوق النمو، وتقلل من الإنتاجية والاستثمار الأجنبي، وتزيد من الفساد والبيروقراطية. وأخيرا إحدى النتائج المهمة أن السلطة القانونية، واحترام الحقوق يضعفان في ظل سلطة الحكومة على الاقتصاد.
زيادة الأعباء على الميزانية تقلل من مرونة الحكومة المالية والاقتصادية، خاصة في الدول النفطية في حالة نزول سعر النفطـ، إذ يصعب على الحكومة أن تخفض ما يعتبره الناس حقوقهم المكتسبة بغض النظر عن إنتاجيتهم، ولكن أسعار النفط ليست تحت سيطرة الحكومة، وبالتالي تزيد المخاطرة في الاقتصاديات النفطية. كما أن استعداد الحكومات النفطية في توظيف أكبر عدد ممكن في الحكومة يعمل ضد سياستهم المعلنة في توطين الوظائف، إذ يعرف الجميع أن الوظيفة الحكومية براتب معقول ودون ضغط عمل ومضمونة أفضل من وظيفة في القطاع الخاص. لذلك ستستمر العناصر الوطنية في المعاناة من قلة التأهيل، وبالتالي النظرة إلى التعليم ستكون شكلية، لأن علاقاتها بسوق العمل محدودة. وهكذا تعمقت الاقتصاديات النفطية في الطبيعة الريعية، ما سيصعب قدرتها على الخروج لاحقا.
تداخل أجزاء المظلة الثلاثية سيزداد غموضا بسبب التأخير في العملية الإصلاحية. فهذه طبيعة الأمور الخاصة والعامة، إذا تركت العيوب تتراكم يصعب حلها لاحقا من ناحية التوقيت، حيث يصعب التنبؤ بما قد يدهمك في المستقبل، وكذلك الحلول بعد أن كانت سهلة أصبحت تحتاج إلى عمليات جراحية محفوفة بالمخاطر، إلا أنه كلما زاد دخل النفط لاحت فرصة أخيرة لتلافي تراكم الصعوبات، ولكن هذا يقف ضد طبيعة البشر في تفادي الحلول الصعبة والتفكير المستقبلي مقابل الحلول السهلة.