رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ريجيم تقني!

تقول إحدى الروايات عن الكاتب الفرنسي فيكتور هوجو إنه طلب من مساعده الشخصي إخفاء ملابسه عنه ليمنعه من الخروج وإنهاء الكتابة، لم يكن يرغب في الخروج من منزله عاريا هذا مؤكد، ومن جهة أخرى، كانت هذه فكرته للإجراء الحاسم وإجبار نفسه على الانقطاع عن تضييع الوقت والبدء في الكتابة!
هل سيأتي الوقت الذي نطلب من الآخرين فيه إخفاء أجهزتنا الإلكترونية رغما عنّا؟
في عددها الأخير نشرت المجلة الأمريكية Readers Digest نتائج استبيان ضخم قامت به بالتعاون مع موقع ''ياهو'' الشهير، الفكرة في هذا الاستبيان محاولة إيجاد حصر لواقع البشر اليوم، وكيف يؤثر بهم ''السّعار التقني'' إن صحّ التعبير.
الأجهزة الإلكترونية والتقنية متهمة بتغيير وجه العلاقات الاجتماعية والإنسانية بشكل عام؛ فهي تربك الأحاديث وتعزل البشر بصورة لم ينجح في تحقيقها أي اختراع بشري آخر.
المقاربة بين الإحصائيات الأمريكية وبين الإحصائيات التي يمكن أن نخرج بها من إجراء استبيان مماثل ممكنة، بل على الأغلب ستفوق الأرقام المسجلة لدينا تلك التي ظهرت لديهم ولو قليلا.
في المنزل الأمريكي 20 جهازا إلكترونيا على الأقل موزعة بين هواتف وأجهزة كمبيوتر، ولكل فرد من العائلة، بينما تظهر إحصائية دقيقة أن عدد الهواتف المتحركة في كل منزل ثلاثة على الأقل - لنفكر قليلا في عدد الهواتف المتنقلة في كلّ منزل سعودي.
''طفل واحد من بين كلّ 16 طفلا دون سن الخامسة لديه صفحة في موقع Facebook بقدر كون هذه الإحصائية مخيفة بقدر كونها حقيقية!
لماذا هي مخيفة؟
تجيب المجلة على خطورة اقتحام مواقع الشبكات الاجتماعية في سنّ مبكرة يعرّض الصغار لمواد غير مناسبة لسنّهم ويجعلهم في أسوأ التوقعات عرضة للتحرش والاستغلال من قبل المسيئين للأطفال.
هذا الاستبيان يغطي نواحي عدة من الحياة الاجتماعية لا يقتصر على التي ذكرتها أعلاه، ويدفعنا إلى التساؤل: هل ما نعيشه اليوم هو طفرة أو إدمان جديد؟ أم أنّه صورتنا الاجتماعية وعليه ينبغي أن نتقبلها تدريجيا؟
في كتابه ''الإنترنت والمنظومة التكنو - اجتماعية'' يكتب الدكتور علي محمد رحومة عن مجتمع الإنترنت بأنه: ''المجتمع الإنساني الجديد الذي يتألف في توأمية جديدة الإنسان/ الآلة. محققا الشروط الاجتماعية، ومضيفا إليها ملامح وخصائص أخرى للاجتماع الإنساني''. ويعود في مكان آخر من الكتاب ليذكر اقتباسا عن آرثر كروكر ''إن البشر، في الواقع، سيصبحون المكوّن اللحمي لنظام إلكتروني''.
اقتباس هذه المقاطع الصغيرة يفيد في وضع تصور موضوعي للتقنية في حياتنا، أنا لا أعترض على الاستبيان المنشور في مجلة ريدرز دايجست الأمريكية فهو على أية حال مؤشر مفيد للدراسة وإعادة النظر لمساحة التقنيات على خارطة الحياة اليومية لكل البشر وليس للفرد الأمريكي وحده.
تحوّل حياتنا بهذا الشكل يس كلّه سيئ، على العكس وبالعودة لإحصائيات الاستبيان ذاته وُجد أن نحو 86 في المائة من المشاركين فيه بأن معرفتهم الكونية ازدادت مع استخدام الإنترنت وأصبحت نافذتهم إلى كثير من إجابات الأسئلة التي تعبر أذهانهم وتحتاج إلى ساعات، بل لأيام حتى يتوصلوا إليها.
والحل إذاً؟
لا ننكر السلبيات ولا الإيجابيات التي تأتت لنا من استخدام التقنية، لكننا أيضا في حاجة إلى نظام يحكم استخدامنا، شيء أشبه ''بريجيم تقني'' على غرار الأنظمة الغذائية التي ينصح بها الأفراد لتحسين حيواتهم.
لسنا مضطرين أن نتخذ إجراءً حاسما مثل السيد هوجو، كل ما نحتاج إليه هو إقفال الأجهزة لعدة ساعات خلال اليوم.
عدم حمل الهاتف المتنقل إلى مائدة الطعام مثلا، والتخفيف من التحقق من البريد الإلكتروني والشبكات الاجتماعية خلال إنجاز المهام؛ مما سيجعل الانتهاء منها أسرع وأكثر خفة.
وأنا إذ أكتب هذه النصائح السريعة في حاجة مثل كلّ فرد أصبحت الأزرار الإلكترونية حاجة لا ينفصل من حياته، إلى ترويض هذه الحاجة بشكل لا يفصلني عنها ولا يطغى على بشريّتي!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي