عندما لا أفهم السوق المالية ولا معالي الوزير
جاءت القرارات الملكية الأخيرة كغيث المطر، والمطر هو بوح سر السحب الممتلئة بالخير، والغيث ليس غيثا إلا إذا جاء لمن يحتاج إليه, لذلك توجهت القرارات لحل مشكلة ارتفاع تكلفة المعيشة لذوي الدخل المحدود وما دونهم. وطوال الأيام التي تلت صدور هذه القرارات كانت سوق الأسهم السعودية تعاني نزيفا حادا جدا وتسارعت خسائرها ليخسر المؤشر أكثر من 400 نقطة تعادل نسبة 6.7 في المائة، ويصل إلى 5538 نقطة، وعاشت السوق روح انهيار 2006، مع عروض البيع دون طلبات الشراء. أسعار البترول تصل إلى 112 دولارا وقرارات ستضخ أكثر من 110 مليارات ريال في غضون أيام ومع ذلك تنهار السوق المالية فورا. لذلك أقول لم أفهم!
بعد صدور القرارات انصب اهتمام الرأي الاقتصادي على رصد الآليات اللازمة للتنفيذ الصحيح لهذه القرارات, لذلك جاءت تعليقات وزير المالية الدكتور إبراهيم العساف لتضع النقاط التنفيذية على حروف القرارات الملكية الكريمة, ومن ذلك إطلاق مبادرتين من الصندوق، الأولى الإقراض للشقق السكنية, والأخرى برنامج قروض البنوك بضمان من الصندوق. في المبادرة الأولى يتحدث الوزير عن الشقق السكنية التي ستكون تكلفتها في حدود 300 ألف (حدود القرض) ثم يقول معاليه ''وإذا زادت قيمة الشقة فعلى المواطن أن يتدبر المبلغ القليل (المتبقي)''. وهنا لدي بعض الأسئلة لمعالي الوزير لأنني ــ وهذه مشكلة تصاحبني منذ مدة كما يبدو - لم أعد أفهم مشكلتنا الاقتصادية .. كم هو القليل المتبقي؟ وأين سنجد تلك الشقق التي تعادل قيمتها 300 ألف ريال (حدود القرض) بينما المتبقي قليل لدرجة يستطيع المواطن تدبيره؟ وإذا كانت موجودة ''جزئيا'' في الرياض فأين هي في باقي مناطق المملكة؟ أين سنجدها في وادي الدواسر وفي الجوف وجازان. ثم إذا وجدناها وستكون حتما أكثر من 300 ألف ريال, فما طريقة استكمال القيمة التي لمح إليها الوزير؟ أقول إن القيمة ستتجاوز 300 ألف ريال لأن معالي الوزير حددها فعلا والأسعار (وهذه سمة لازمة لها) تمتص كل المعلومات المتاحة. هل مشكلتنا مشكلة تمويل فقط أم مشكلة وجود أيضا؟ مشكلة وجود الأراضي الجاهزة للبناء، مشكلة الأراضي البيضاء، مشكلة أراض ممنوحة لا يمكن بناؤها لأنها خارج النطاق العمراني، ثم ما الأثر المتوقع في إيجارات الشقق بعد تصريح الوزير؟
والمبادرة الأخرى التي قدمها معالي الوزير وهي برنامج لضمان القروض من المؤسسات المالية الخاصة, حيث يقول معالي الوزير ''بمعنى أن المواطن يتقدم للبنوك بضمان من خلال صندوق خاص ينشأ أو يقتطع من هذا المبلغ بحيث يضمن القرض أو جزءا من القرض للبنك, وهذا يمكن من إقبال البنوك على الإقراض وتكون التكلفة على المواطن أقل عندما يكون هناك ضمان للقرض''. مرة أخرى أقول إنني لم أفهم, فالمواطن يتقدم للبنوك بطلب قرض (المفترض أنه سكني) ويقدم ضمانا لهذا القرض من خلال صندوق خاص (يموله الصندوق العقاري), هذا الصندوق الخاص ينشأ أو يقتطع من هذا المبلغ (أي الـ 40 مليارا). مرة أخرى أقول إنني لم أفهم وليعذرني معالي الوزير وليعذرني القارئ الكريم. هل مشكلة بنوكنا ــ الكريمة ــ مع المواطن البسيط مشكلة ضمانات؟ فمن المعلوم أنها تأخذ نصيبها قبل أن يعلم المواطن أن راتبه وصل، و''سريع'' من أفضل الضمانات المالية المعروفة لدي. فالبنوك لم تعد مطمئنة عن القرض فقط بل عن الراتب أيضا والجهة الحكومية معها ثم هي تأخذ ضمانا آخر فوق الراتب وهو رهن المبنى السكني نفسه، ثم جاءت شركة سمة لتقدم ضمانا فوق كل الضمانات، ضمان ألا يقترض المواطن ولا يتأخر من أو مع أي جهة أخرى .. فهل مشكلة الإقراض البنكي (لدينا) هي مشكلة البنك مع المواطن أم هي مشكلة المواطن مع البنك؟
كنت أعتقد أن مشكلتنا هي مع القطاع الخاص (بكل أصنافه), الذي تعود دلال الحكومة له، ضمانات بالشراء، ضمانات بالضمانات، احتكار، اتفاقيات بين التجار، مساعدات حكومية للسعودة وفوقها جوائز لمن تنازل عن جزء من حق المواطن للمواطن. والنتيجة أن أفضل شركاتنا تواجه قضايا إغراق لأن العالم لم يفهم كيف تباع لنا سلعنا هنا بأغلى مما تباع لديهم، والسعودة ''محلك سر'' والأجور تحت خط الفقر، والبنوك انخفضت استثماراتها وتمويلها للاستثمارات الجادة بشكل خطير بينما تتوسع في القروض الاجتماعية لأنها مضمونة تماما. العقار محتكر وسوق المال محتكرة والتجزئة مغيب، والصناعي مهمش، والخيري خارج التغطية. كنت أعتقد أن مشكلتنا في ضعف برامج الاستثمار الجاد وفي السوق المالية التي تنهار كلما انهارت. في أكثر من عشر سنوات بلا صانع للسوق، في بقاء السوق المالية كما هي دون حلول جذرية برغم انهيارات 2006 و2008 و2011 المتتالية.
في اعتقادي، أن ما يزيد على 109 مليارات للعقاري وهيئة الإسكان والتسليف والضمان الاجتماعي بخلاف دعم الأندية والجمعيات والقرارات الأخرى التي تصب في خدمة المواطن ورفعة وتنمية الوطن هي في مجملها رقم ضخم لميزانية هائلة يمكن استثمارها بطريقة تعود على المواطن بحلول حقيقية لو تبصرنا قليلا. لو تغيرت مفاهيم صندوق التنمية العقارية، لو خطوا خطوات أوسع مع هيئة الإسكان والتسليف بحلول أكثر بساطة وإبداعية. 109 مليارات لو أنشأنا بها ـــ مثلا ـــ شركة إسكان عقارية عملاقة تدعم حلول بناء بسيطة وتنشئ مساكن بمفاهيم حديثة تناسب الشباب على أطراف مدننا الكبيرة منها والصغيرة وتدعم توجهات المدن الاقتصادية. فكما هو ملاحظ نجاح تجربة مباني الإسكان الحكومية في عدد من مدن المملكة وكيف أنها اليوم تعج بالحياة وتقدم أسلوبا جديدا للعائلة السعودية. فقط نحتاج إلى دراسة عميقة للتجربة لتجنب عيوبها وتعميم إيجابياتها. نحتاج إلى الإرادة لتوحيد الجهود بين وزارات: البلدية والاجتماعية والمالية والصناديق بمختلف عناوينها وهيئة الإسكان وإجبار البنوك والعقاريين على تغيير مفاهيم الرأسمالية الصرفة نحو شراكات اجتماعية مربحة على المدى الطويل هدفها تطوير خدمة حقيقية للإنسان السعودي وتطوير حضارة هذه الأمة.