الطلب على النفط في ظل السياسات الضريبية للدول المستهلكة
نظريا يستجيب الطلب على النفط للتغيرات التي تطرأ على الأسعار، لكن في الواقع درجة المرونة في الاستجابة للأسعار تختلف من وقت إلى آخر وتعتمد بصورة رئيسة وبشكل كبير على السياسات الضريبية ورد فعل الحكومات على تغير أسعار السلع الأساسية ومنها النفط. كما أن انتقال مركز الثقل في استهلاك النفط إلى الاقتصادات الناشئة، أدى هو الآخر إلى ضعف استجابة الطلب العالمي على النفط للتغيرات التي تطرأ على الأسعار.
تخطو بعض الاقتصادات الناشئة العملاقة مثل الصين والهند حاليا خطوات نحو تحرير أسواق الوقود المحلية، إن أسعار الطاقة هناك تعتبر حاليا مقارنة إلى حد ما بتلك الموجودة في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، حيث تحركت أسواق المنتجات النفطية في الصين تدريجيا عن الدعم خلال السنوات القليلة الماضية، في حين أن الهند قامت بتحرير أسعار البنزين في حزيران (يونيو) الماضي وتعهدت بإجراء مراجعة شهرية في هذا الخصوص.
تخطط الصين حاليا لكبح نمو الطلب على النفط على مدى السنوات الخمس المقبلة بحيث لا يتجاوز 6 في المائة سنويا، أي نحو نصف (12.3 في المائة) نمو الطلب على النفط الذي شهده الصين في العام الماضي، محسوب على أساس الإنتاج المحلي زائد صافي الواردات النفطية. إن خفض النمو في الطلب على النفط إلى النصف في الصين لن يكون ممكنا إلا لأن الحكومة تحركت بعيدا عن دعم أسعار الوقود منذ عام 2008، وتقوم حاليا بفرض ضرائب على المنتجات لكبح جماح الطلب. على سبيل المثال الطلب على زيت الوقود بدأ بالتراجع بسبب تحرير الأسعار وفرض الضرائب عليه. وقود النقل هو الآخر تم تحريره وفرض ضرائب عليه، لكن ما زال يخضع لحدود قصوى للأسعار حددتها الحكومة.
التغييرات التي طرأت على نظام أسعار المنتجات النفطية في الصين منذ عام 2008، ما هي إلا مثال على السياسات الضريبية للدول المستهلكة في الحد من الطلب على النفط وفي الوقت نفسه تحقيق عوائد مادية. حيث إن قيام الحكومات بالتدخل في أسعار المنتجات عن طريق فرض ضرائب عالية، سيقلل من استجابة الطلب على النفط لتحسن مستويات المعيشة والتغير في الأسعار صعودا أو هبوطا في المدى القصير. وهذا ما يفسر التناقضات بين اتجاهات نمو الطلب على النفط في الولايات المتحدة وتلك التي في اليابان وأوروبا. إن مبيعات وقود النقل لا تستجيب بشكل خاص لزيادات الأسعار في المدى القصير، حيث لا يمكن للمستهلكين خفض الطلب على وقود النقل إلا عن طريق تقليل قيادة المركبات، والتي قد يحجمون عن القيام بها خصوصا إذا ما كانوا يعتمدون على سيارتهم في الحركة. يرجع السبب أيضا إلى عدم إمكانية المستهلكين على إجراء تغييرات جذرية على سلوكهم إلا بعد وقت طويل، نتيجة الاستثمار في محرك جديد للتحول إلى وقود بديل أو تحسين كفاءة الوقود.
لكن مثل هذه التحركات لا تحدث إلا إذا كان من المتوقع أن تظل الأسعار مرتفعة لفترة طويلة أو نتيجة سياسات ضريبية قاسية على وقود النقل التقليدي وإعفاءات ودعم لأنواع الوقود البديلة. على سبيل المثال المستهلكون في الولايات المتحدة بدأوا بخفض مشترياتهم من وقود النقل وشراء عدد أقل من سيارات الدفع الرباعي التي تستهلك عادة الكثير من الوقود عندما بدأوا يظنون بصورة راسخة أن الارتفاع الذي شهدته أسعار النفط في نهاية عام 2007 سيستمر فترة طويلة، على الرغم من أن الركود الاقتصادي كان له الأثر الأكبر في خفض الطلب على النفط في الولايات المتحدة. أما اليوم، على الرغم أيضا من كون الانتعاش الاقتصادي لا يزال هشا، إلا أن الطلب على النفط في الولايات المتحدة آخذ في الارتفاع من جديد، وعاد المستهلكون إلى شراء سيارات كبيرة وسيارات دفع رباعي مرة أخرى، حيث تشكل هذه السيارات اليوم أكثر من نصف مبيعات السيارات الجديدة الخفيفة.
في حين أن سياسات الحكومات في أماكن أخرى من العالم استمرت في تعزيز فكرة أن أسعار الوقود المرتفعة وجدت لتبقى لعقود من الزمان، حيث قامت بتشجيع الاستثمارات لتوفير بدائل للوقود أو ترشيد الاستهلاك عن طريق فرض ضرائب عالية. على سبيل المثال بعد ارتفاع أسعار النفط في فترة السبعينيات من القرن الماضي قامت الحكومات الأوروبية واليابانية بفرض ضرائب على وقود النقل، في البداية لكبح نمو الطلب في أوقات النقص في الإمدادات، لكن عندما تراجعت أسعار النفط الخام مرة أخرى في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، استمرت هذه الحكومات ليس فقط في فرض الضرائب, بل قامت أيضا بزيادتها لمنع الانتعاش في الطلب على النفط كما حصل في الولايات المتحدة. الضرائب المفروضة على المنتجات النفطية اليوم تراوح بين 60 في المائة في أوروبا و45 في المائة في اليابان، لكنها فقط 15 في المائة في الولايات المتحدة، حيث إن أسعار البنزين هناك لم تتغير تقريبا في الفترة ما بين منتصف الثمانينيات و2003، في حين نما معدل دخل الفرد بصورة كبيرة خلال تلك الفترة.
أثر هذا التباين في السياسات التسعيرية واضح جدا على الطلب على النفط. حيث انخفض الطلب على وقود النقل في أوروبا واليابان بين عامي 2000 و2007 في حين نما في الولايات المتحدة بنحو مليون برميل يوميا خلال الفترة نفسها. متوسط معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود في الولايات المتحدة أقل مما هو عليه في اليابان وأوروبا, بل حتى في الصين. حكومة الولايات المتحدة بدلا من اتخاذ خطوات تثير حفيظة المستهلكين من خلال رفع الضرائب على وقود النقل، تقوم بدعم وقود الإيثانول. حيث إن عملية الدعم هذه كلفت الحكومة نحو خمسة مليارات دولار من الإعفاءات الضريبية لوقود الإيثانول في عام 2009 فقط، سياسة الولايات المتحدة في بعض هذه النواحي أقرب إلى الصين قبل عام 2009 من نظم التسعيرة النفطية للدول الأخرى في منظمة التعاون الاقتصادي.
أسعار وقود النقل اليوم في الصين أعلى من الولايات المتحدة، لكن مع ذلك استمر الطلب على البنزين ووقود الديزل في الارتفاع، حيث إن تأثير النمو الاقتصادي فاق تأثير ارتفاع الأسعار. للحد من نمو الطلب على النفط إلى نصف مستويات العام الماضي، من المتوقع أن تتبع الحكومة الصينية نظاما أقرب إلى النموذجين الأوروبي والياباني في تحرير أسعار الوقود وارتفاع الضرائب منه إلى النموذج الأمريكي.
تنويه: المقال يعبر عن رأي الكاتب الشخصي وليس بالضرورة يمثل رأي الجهة التي يعمل فيها.