حلحلة أزمة السكن
تواجه دول العالم تحديات اقتصادية كثيرة ومتنوعة. ومن المستحيل مواجهة تلك التحديات مرةً واحدة، ولهذا ينبغي ترتيب أهمية هذه التحديات لتعظيم مستويات الرفاه الاجتماعي وللحفاظ على السلم الاجتماعي. وأسوة بدول العالم تواجه المملكة العديد من التحديات الاقتصادية والتي أهمها التحديات المرتبطة بالبطالة والسكن والفقر. وإدراكا لأهمية التعامل مع هذه التحديات فقد صدرت العديد من القرارات السامية للتعامل بشكل عاجل مع هذه التحديات الصعبة.
وقد ارتفعت مطالب المواطنين بإيجاد حلول لأزمة السكن وارتفاع الإيجارات خلال السنوات القليلة الماضية، ولهذا فقد تضمنت القرارات الأخيرة عددا من الإجراءات لحلحلة هذه الأزمة والتخفيف من آثارها. وفي هذا الإطار، تم رفع رأسمال صندوق التنمية العقارية بـ 40 ألف مليون ريال، كما تم التعهد بتغطية أقساط المقترضين المعفاة خلال العامين المقبلين والتي قد يصل حجمها إلى نحو عشرة مليارات ريال. ونتيجةً لهذين القرارين ستدعم الدولة موارد صندوق التنمية العقارية المالية بمبلغ يقدر بنحو 50 مليار ريال. وسيمكن هذا المبلغ صندوق التنمية العقارية من توفير موارد مالية تكفي لتقديم نحو 167 ألف قرض سكني. ويقف في طابور انتظار إقراض صندوق التنمية العقارية نحو 570 ألف مقترض. وبعد منح كل المبالغ التي ستدفعها الدولة سيتراجع حجم الانتظار الحالي لدى الصندوق إلى نحو 400 ألف مقترض. وستدعم قروض الصندوق السكنية خلال العام أو العامين المقبلين بناء ما لا يقل 170 ألف وحدة سكنية.
وفي حالة توفر هذه الوحدات السكنية خلال العام أو العامين المقبلين فإن عرض المساكن الكلي سيزداد بما يعادل حجم الطلب السنوي على المساكن، مما سيخفف من الضغوط على الإيجارات والذي سيساعد حتى الأسر المستأجرة في الحد من ارتفاع تكاليف الإيجارات. ولم يقتصر دعم قطاع الإسكان على رفع مستويات الائتمان المدعوم، بل شمل دعم الهيئة العامة للإسكان بـ 15 مليار ريال، وهذا سيوفر وحدات سكن إضافية خلال الأعوام المقبلة قد تصل إلى 15 ألف وحدة مما سيساعد بدوره الأسر محدودة الموارد والإمكانيات في الحصول على مساكن. وهذا سيسهم أيضاً في تخفيف الضغط على الوحدات السكنية لذوي الدخل المحدود، كما سيسهم في تخفيف معاناة عدد من الأسر المحتاجة والفقيرة التي تستهدفها برامج الإسكان. ومن المتوقع أن يسهم دعم قطاع الإسكان في تنشيط القطاعات الاقتصادية الموفرة لسلع وخدمات إنشاء المساكن مثل شركات مواد البناء، كما سيرفع من الطلب على الخدمات المساندة لقطاع إنشاء المساكن وعلى العمالة الإنشائية، وهذا سيعزز معدل النمو الاقتصادي.
وقد عمدت الدولة إلى دعم صندوق التنمية العقارية لأنه آلية متوفرة وعاملة، كما أنها نجحت في دعم سوق إنشاء الوحدات السكنية خلال أربعة عقود. وأعتقد أن صندوق التنمية العقاري بريء من التهم الموجهة إليه بالتسبب ولو جزئياً بأزمة السكن الحالية. حيث لم يبدد الصندوق أيا من موارده في نشاطات غير نشاطات الإقراض السكني. ويرجع تأخر الصندوق في تمويل القروض المتراكمة إلى حجم السداد المنخفض ونظام الإقراض الذي يعفي المواطنين من أي فوائد بل يقدم خصومات مقابل التسديد المبكر مما أدى إلى تآكل رأسمال الصندوق. ويعتمد الصندوق في توفير موارده المالية على سداد المقترضين والدعم الذي تقدمه الدولة. ويتلكأ عدد كبير من المقترضين في سداد استحقاقات القروض، كما عانى الصندوق خلال الجزء الثاني من الثمانينيات والتسعينيات من انخفاض الدعم الحكومي بسبب العجوزات المالية التي كانت تعانيها الدولة. وأدى تراجع موارد الصندوق المالية خلال عدد من السنوات إلى تراكم طلبات الإقراض وتأخرها مما أدى إلى تأخر كثير من الأسر في بناء مساكنها وقلل من عرض المساكن الكلي، وهذا من وجهة نظري من أهم أسباب أزمة السكن الحالية. ومع نجاح صندوق التنمية العقارية في مساندة قطاع الإسكان إلا أن هذا لا يلغي أهمية إجراء عدد من الإصلاحات عليه والتي من أهمها رفع قيمة القروض السكنية والبحث عن آليات أخرى لرفع موارده المالية.
إن الاستمرار في دعم صندوق التنمية العقارية من أنجع الوسائل لدعم بناء وملكية ألمساكن وذلك لعدة أسباب أهمها:
1- أنه آلية موجودة، وعاملة، وخالية من الفساد، كما نجحت سابقاً في تمكين تملك عدد كبير من الأسر لمساكنها.
2- أنه يوفر قدراً كبيراً من الحرية للأفراد في بناء وتصميم مساكنهم وحسب أذواقهم.
3- منخفض التكاليف مقارنة بالوسائل والآليات الأخرى، حيث يمكن توفير عدة قروض سكنية بتكاليف إنشاء وحدة سكنية واحدة.