كيس الفار
ليس هناك من دولة إسلامية حققت تنمية تذكر عدا ماليزيا, لأن نحو 40 في المائة من سكانها من الجاليتين الصينية والهندية, وهؤلاء يسيطرون على العمل في القطاع الخاص حيث القيمة المضافة. استطاعت تركيا تحقيق اختراق تنموي, ولكن لا يزال من المبكر الحكم على هذه التجربة. أما البقية فهم على درجات مختلفة من التواضع التنموي. هذه الحقيقة أصبحت ملازمة للمنطقة وأزماتها المتلاحقة بسبب ضياع طاقاتها في سياسة الهوية وتزاحم معادلة السلم الاجتماعي السياسي مع معادلة العدالة. فطاقة هذه الشعوب ونخبها ضائعة أو مضيعة من خلال الاستخدام السلبي للطاقة البشرية.
في مستوى معين وفي ظل ضعف القوى الإيجابية في النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحمايتها عن طريق المركزية القانونية يلجأ الكثير إلى الاعتماد على سياسة الهوية, قبلية أو طائفية أو جغرافية أو فئوية، يبدأ المجتمع في فقدان مركزية الطاقة اللازمة لدفع قوي. في مستوى آخر هناك تنازع مستدام بين استحقاق السلم الاجتماعي السياسي والحاجة إلى الأمن كركن أساسي من ناحية والحاجة إلى العدالة التي أخذ مكانها تدريجياً الاعتماد على أجهزة بيروقراطية غير كفؤة لإدارة كافة نواحي الحياة الاقتصادية والتعليمية والصحية وغيرها. فكلما زاد الضغط للمطالبة بالعدالة ازداد التهديد على السلم الاجتماعي نظراً لتشبث المستفيد, وكلما قلت العدالة لصالح السلم والأمن بدأ الهزال والأمراض تصيب الجسم الداخلي في كافة نواحي الحياة. يشهد كل مجتمع هذا الصراع ولكنه يزداد حدة كلما زاد تخلف المجتمع, وتزاداد حدته وتنقص بقدر جودة منظومة الإدارة المحلية في كل مجتمع ومدى انشغال نخبه وأفراده بما هو مفيد.
درجة ونوعية إشغال الناس هي المحدد العملي للتعامل وإدارة هذا الصراع الحتمي في المجتمعات. ما علاقة ذلك بعنوان المقال؟ سأل أحد الزملاء رجل أعمال ليبياً قبل نحو ثلاثة أشهر عن الأوضاع في ليبيا؛ فبدأ بقصة طريفة، يُروى أن إحدى القرى كانت تعاني كثرة الفيران, فطلب الحاكم من كل مواطن إحضار مائة فأرة في كيس وله مائة دينار. بدأ المواطنون في جمع الفيران, ولكن أثبتت الفيران قدرة على تمزيق الأكياس قبل الوصول إلى الحاكم. فشل الجميع إلا واحد استطاع الوصول إلى القصر ومعه مائة فأرة، فسأله الحاكم كيف تم لك ذلك؟ فقال بسيطة لقد أشغلت الفيران برمي الكيس يسرة ويمنة, وبسرعة كبيرة ولم أعطها وقتا كافيا لتمزيق الكيس والهرب. وفاز هذا المواطن ليس بالجائزة فقط، بل إن الحاكم عيّنه مستشاراً لديه لمعرفته بالتعامل مع الفار.
في حالة السلم استطاع الفار التعاون والهرب, وفي حالة الانشغال فشل الفار وفشل المدير (حامل الفار ـــ مدير بيروقراطي) ولكن الحاكم بقي بعيداً في كلتا الحالتين. الكيس هو تلك الرقعة الجغرافية التي يسكنها شعب ما، والمحرك هو الإشغال والانشغال (الإدارة) والناس والفار كائنات حية تدافع عن نفسها تنتصر مرات وتخسر مرات, وكل ما تريد هو الاعتراف بجدلية الصراع بين السلم والعدالة وإدارة هذا الصراع حضارياً وأخلاقياً وعقلانياً.