رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


إذا اختلفت التوقعات وقعت النزاعات

مصدر النزاع والصراع في أية علاقة إنسانية اجتماعية أو تنظيمية يكون في الغالب بسبب اختلاف التوقعات وسوء الفهم بين الطرفين. وربما ساعدت هذه الحقيقة في العلاقات الإنسانية في تفسير المشهد السياسي المضطرب في بعض دول المنطقة. فمن الواضح أن هناك بونا شاسعا بين رؤية القيادات السياسية وتوقعاتها من جهة وطموحات وتطلعات الشعوب من جهة أخرى. هذه الفجوة ظلت تتزايد مع مرور الزمن ولم يلتفت إليها من يملك زمام السلطة الطرف الفاعل في العلاقة، ولم يدرك أو لم يرغب في أن يدرك أن الأمور تتغير وبوتيرة متسارعة تتطلب التكيف معها سياسيا واقتصاديا وثقافيا والعمل على فهمها والاعتراف بها، ومن ثم احتواؤها بآليات وأساليب جديدة تستجيب لها، وربما توظفيها توظيفا إيجابيا لتكون نعمة بدلا من أن تكون نقمة. لكن يبدو أن بعض من ولاهم الله أمر هذه الشعوب استكانوا وأنِسوا لأوضاعهم وتلبسهم شعور مع مرور الزمن بالعظمة ليتحول أحدهم إلى رمز مقدس لا يمكن المساس به ولا انتقاده ليكون هو الدولة والشعب والمجد والتاريخ! إنه جنون العظمة والتكبر والاستعلاء ليكون كل ما يقرره ويفعله هو حد الكمال لا يقبل النقاش بنهج فرعوني مبدأه ''مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى''. هذه التصورات النرجسية تؤدي إلى العزلة وعدم فهم ما يجري على أرض الواقع فهما حقيقيا. هذا الوضع يخلق نوعا من الفراغ والتغريب في العلاقة بين الحاكم والمحكوم حتى أنه لم يعد كل طرف يفهم الآخر. هذا التباعد وعدم الفهم يزعزع الثقة ويخل بالعلاقة ويزرع أسباب الفتنة ويوقد فتيل الصراعات، وعندها تصل العلاقة إلى نهاية مسدودة ويكون الفراق المأساوي حين يصر أحد الطرفين على فرض نفسه بالقوة. فبديهيا ومنطقيا لنجاح أي علاقة بين طرفين تتطلب رضا الطرفين؛ ولذا فإن مشكلة هذه القيادات التي أتت على ظهر الدبابة وداسوا كرامة الناس فهموا أن السلطة تعني الإجبار والإكراه وهو فهم خاطئ. إذ إن الطاعة شريك السلطة، بمعنى أن مقدار السلطة يحدده مقدار الطاعة؛ ولذا نجد أن الدول المستقرة والتي تنعم بالأمن والأمان تعي قياداتها هذا المبدأ وتطبقه حرصا على علاقة متينة قوية متميزة مستدامة بينها وبين شعوبها.
ويبرز النموذج السعودي في هذا السياق، كأحد تلك الأنظمة المستقرة لما يقارب القرون الثلاثة. والسر هو في العلاقة الفطرية والحميمية بين الحاكم والمحكوم المبنية على أساس من المبادئ الإسلامية العظيمة والتقاليد العربية الأصيلة والتواصل الدائم عبر سياسة الباب المفتوح ووقوف الملك على مسافة واحدة من الجميع. لقد ظلت هذه القيم والتقاليد السياسية الحصن المنيع والسياج الحامي على مدى الأيام والسنين لعلاقة حميمية يسودها الود والاحترام والالتزام بالمواثيق والعهود، فبذل وعمل جاد من ولاة الأمر لتحقيق مصالح الناس، وطاعة وبيعة شرعية على السمع والطاعة في المنشط والمكره من المواطنين. هكذا يقف السعوديون في صف واحد متراصين ينشدون في عرضتهم وهي رقصة الحرب مرددين ''سيدي سمعا وطاعة''؛ تعبيرا عن طبيعة السلطة المبنية على الطاعة والود والمحبة والوفاق وليس سلطة الإجبار والإكراه والتسلط والإذلال. والمتتبع لتاريخ هذه الدولة السعودية يجد ذلك واضحا في الخطاب والفعل السياسي. وخطابات الملك عبد الله أكبر دليل ونموذج حي لهذا النهج السياسي الصالح. هذه الخطابات حاضرة بقوة بمعانيها العميقة، نسمعها صوتا ونحسها فعلا ونشهدها واقعا. فقد بدأ عهده بخطاب (1426هـ) جاء فيه ''أعاهد الله، ثم أعاهدكم أن يكون شغلي الشاغل إحقاق الحق وإرساء العدل وخدمة المواطنين كافة بلا تفرقة..''، ويقول ''إن المنهج الإسلامي يفرض علينا نشر العدل بين الناس، لا نفرق بين قوي وضعيف، وأن نعطي كل ذي حق حقه، ولا نحتجب عن حاجة الناس، فالناس سواسية''. ويؤكد في إحدى المناسبات على منهج ثابت للإصلاح والبناء بادئا بنفسه - حفظه الله - ومؤكدا أن قدرته على النقد الذاتي العنيف تجعل منه قوة تسقط باطلا وتعلي حقا. وفي خطاب تاريخي ألقاه في افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة الرابعة لمجلس الشورى عام 2007، قال: ''ليعلم كل مسؤول أنه مساءل أمام الله.. ثم أمامي وأمام الشعب عن أي خطأ مقصود أو تهاون''. وقد تكون مقولته ''بالحرية نصون حريتنا'' نبراسا للتطوير السياسي يفسرها حرصه على العدل والمساواة حين يقول: ''أوصيكم ونفسي بألا يكون بيننا ظالم ومظلوم وحارم ومحروم وقوي ومستضعف''. هكذا إذاً تكون السياسة منبثقة من القيم والأخلاق ومرتبطة باحتياجات الناس تمنحهم العيش الكريم وتصون كراماتهم وتحقق لهم الأمن والأمان. ومع ذلك فالنزعة للإصلاح لا تتوقف في هذه المملكة العظيمة، فمع المكرمات الملكية التي أعلنت بمناسبة عودة الملك عبد الله معافى إلى أرض الوطن والتي تعكس الاهتمام بالمواطن وتلبية احتياجاته وبشكل فوري هناك تطلعات لتطوير الهيكل الإداري الحكومي وإيجاد آليات جديدة تحقق المزيد من التطور والنمو وتوجد قنوات للتعبير والمشاركة تجسد النهج الذي اختطه الوالد المؤسس الملك عبد العزيز في التواصل بين الحاكم والمحكوم وتقريب التوقعات ليكون الجميع على بينة من الأمر يقفون صفا واحدا كأنهم بنيان مرصوص خلف قيادتهم التي هي من نبت هذه الأرض الطيبة ومنهم واليهم.
إن وجود أنظمة معتدلة حكيمة وعادلة يسودها الأمن والأمان السياسي والاقتصادي، يلفت الانتباه إلى أن التقصير لا يقع من القيادات السياسية فقط، ولكن الشعوب أيضا تخطئ وتجر الويلات والمصائب وتشق الصف وتثير النعرات عندما تصاب بالغوغائية والتحزب الفكري أو المذهبي تحركها جهات خارجية تملي عليها أجندتها ليصل بها الحال أن ترفع صور زعماء سياسيين ورجال دين لدول أخرى دون خجل ولا حياء في تحد سافر للميثاق والهوية والولاء الوطني كما في الحالة البحرينية. إن الأنظمة الخليجية لا تخلو من الأخطاء فهي تبقى اجتهادات بشرية يعتريها النقص، ولكن تظل هي الأقرب للناس بحكم العلاقة العشائرية الأخوية التي تصون كرامة المواطن وتسعى لتلبية احتياجاته الأساسية من خلال التواصل المنفتح. فالنظام السياسي ليس شكلا جذابا أو حديثا منمقا وإنما مضمون ونتيجة يحقق للمواطن الرفاهية والعيش الكريم، فكم من الدول لديها من المجالس والتشريعات وتنادي بالديموقراطية والحرية والعدل وتدعي أنها تقف في وجه الظلم والتكبر والتجبر العالمي وهي تكمم الأفواه وتسحق أبناء شعبها في الشوارع وتعتقلهم من منازلهم لأتفه الأسباب وتصادر الحريات بجميع أنواعها وتضعهم على حبل المشانق تارة باسم النظام وتارة أخرى من أجل تصورات في ذهن رجل دين يتلبس بالعصمة والقدسية لينساق وراؤه الجهلة مطبقين سياسة القطيع.
هذه النزاعات داخل البلد الواحد تحتاج إلى توضيح التوقعات على أساس من الثوابت الوطنية التي يجب ألا يساوم عليها ولا يتخلى أي فريق عنها وتكون بمثابة ميثاق وطني يلتزم به الجميع. هذا يتطلب آليات سياسية تحول القيم السياسية الاجتماعية والمقاصد النبيلة والنوايا الصادقة إلى عمل مؤسسي واضح المعالم ينصهر فيه الجميع ليعزز الوحدة الوطنية ويؤكد شرعيتها ويكون الجميع على بينة من الأمر، ومن ثم لا يسمح لأي من كان وبأي دعوة المساس بهذه الثوابت أو العبث بها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي