رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


فرص العمل بين الحد الأدنى للأجور والحد الأدنى للمهارات

في منتدى التنافسية الدولي الخامس لعام 2011، تحدث المهندس عادل فقه وزير العمل بكلمة موجزة عن الوضع العام للعمل في المملكة، خصوصا بالنسبة للمواطنين، إضافة إلى الوضع العام للقوى العاملة الأجنبية، وعن التوقعات المستقبلية لعدد السكان، والأعداد التي ستدخل إلى سوق العمل خلال الفترة المقبلة، وكم من المفترض أن يتم توفيره من الوظائف للمواطنين الذين سيدخلون لاحقا إلى سوق العمل، دون أن يخوض في تفاصيل فيما يتعلق بخطط الوزارة لحل هذه مشكلة البطالة، وكأنه تشخيص للوضع الراهن، حيث أبرز أن المسألة قد تستشري مستقبلا إذا لم يكن هناك خطط وبرامج عملية لحل هذه المشكلة، خصوصا عندما نعلم أن مسألة البطالة أصبحت سمة لهذه المرحلة حتى في الدول المتقدمة والصناعية في العالم بعد الأزمة المالية العالمية.
من الأمور التي ناقشها معالي الوزير مسألة الحد الأدنى من الأجور للموظفين، ورأى أنها في هذه المرحلة قد يكون لها سلبيات أكبر من الإيجابيات؛ إذ إنها تعطي ميزة تنافسية أفضل للقوى العاملة الأجنبية، إضافة إلى أن لها سلبيات أخرى، ولعلي أضيف إلى هذه السلبيات أنه قد يكون لها انعكاسات على الأسعار، كما أن وضع رقم معين للحد الأدنى للأجور ليس من الأمور التي يسهل تحديدها، ويحتاج إلى دراسة يراعى فيها مستوى المعيشة والحد الذي يمكن أن يتحمله القطاع الخاص والحكومي، إضافة إلى حد أدنى من المؤهلات، كما أن القطاعات تختلف في حجم الجهد والكفاءات.
كما عرض الوزير بعض التجارب العالمية مثل تجربة سنغافورة التي عملت على الإلزام بحد أدنى من المهارات؛ وذلك بغرض الارتقاء بمستوى الامكانات لدى المواطن، وبعد ذلك تهيئة بيئة عمل مناسبة له، حيث ذكر مثالا لتجربة سنغافورة أن مهنة مثل مهنة تنظيف الشوارع كانت بالطبع غير مقبولة للمواطن في وقت ما، ولكن بعد تطوير بيئة العمل وتفعيل التقنية من خلال أن يتم التنظيف ليس بالطرق التقليدية ولكن بسيارات مخصصة لهذا الغرض أصبحت هذه الوظيفة مقبولة في المجتمع.
ولكن من عوائق مثل هذا البرنامج أنه يتطلب خطة استراتيجية شاملة لقطاعات متعددة، متوسطة المدى تأخذ في الاعتبار التنسيق بين جهات متعددة، منها قطاع التعليم العام والعالي والفني وغيرها، إضافة إلى وزارة العمل، وجهات أخرى، لكن الواقع لا يشهد تغيرا ملحوظا في هذه العملية، فما زال التعليم العام وفي بعض الجامعات لا يقوم بدور كاف لتحقيق ذلك؛ ولذلك من الصعب في الوضع الحالي أن نعول على مثل هذا التوجه حتى يتم التأكد من أن الجهات ذات العلاقة وصلت إلى مرحلة أن تُكسب المواطن هذا الحد الأدنى من المهارات.
ولكن في الوضع الحالي لا بد من العمل على حماية الموظف والعامل ليأخذ حقه الطبيعي في أي عمل يقوم به، حيث إنه لا يخفى على المتابع لسوق العمل كيف أن بعض المؤسسات تمارس نوعا من الإجحاف في حق المواطن، فبعض المدارس الأهلية توظف معلمات بشهادات جامعية برواتب متدنية جدا لا تعدل راتب سائق غير سعودي؛ وذلك استغلالا لأن هذه المعلمة ترغب في أن تحصل على خبرة لتتمكن من العمل في المدارس الحكومية، رغم أن من يتابع حال المدارس الأهلية يجد أن المعلمة المواطنة قد تبذل جهدا كبيرا يفوق المعلمة في المدارس الحكومية، بسبب أن المدارس الأهلية تطالبها بأمور أكثر، وبفترة عمل أطول، كما أنها قد لا تعامل مثل الموظفة الحكومية فيما يتعلق بالإجازات. هذا ونحن نتحدث عن قطاع يحقق عوائد عالية ويحظى بدعم حكومي.
وفي رسالة عبر البريد الإلكتروني ذكر لي أحد الإخوة - وهو غير سعودي - أن الموظف السعودي لدى الشركة التي يعمل بها يحصل على راتب ألفي ريال شهريا ويتفانى بعضهم ويبذل مجهودا كبيرا، وعندما يطلب أي زيادة في الراتب يقابل بالتهديد بالفصل. فهذه حالات وغيرها كثير تتطلب حماية للموظف من قبل الجهات ذات العلاقة.
الحقيقة أن المسألة لا ترتبط بوضع حد أدنى للرواتب فقط فهي واحدة من قضايا أخرى، فالمسألة تتعلق ببعض التغييرات لتتوافق مع المتغيرات التي تؤدي إلى توفير فرص عمل تكفل معيشة كريمة للمواطن، وهذه أولوية في هذه المرحلة. وعندما نتحدث عن الحد الأدنى للرواتب فلا نعني أنها تقتصر على المواطن فقط، بل إذا ما تم تحديد قطاع بأنه يناسب المواطن للعمل فيه، فإنه يوضع حد أدنى للراتب سواء للمواطن أو غير المواطن، بهدف تحقيق أمور، منها أن تكون فرص المواطن مع غير المواطن متساوية مع أفضلية للمواطن تتعلق بالإجراءات والرسوم وتكلفة السفر المرتبطة بالتعاقد مع المقيم، كما أن مثل هذا النظام من شأنه أن يجعل هناك فرصا أكبر لاستقطاب قوى عاملة مؤهلة؛ إذ إن الوضع الحالي يشهد بأن سوق العمل في المملكة أصبح كما يُقال أكبر مركز تدريب في العالم، حيث يعمل فيه من ليس لديه مؤهلات كافية ليتدرب ويحصل على فرص أفضل للعمل، سواء داخل أو خارج المملكة. كما أن استقطاب قوى عاملة ذات كفاءة عالية يساعد في تدريب زملائهم من المواطنين، بدلا من الهدر والإضرار التي تترتب على عمل قوى عاملة غير مؤهلة. ولا ننسى أهمية تحديد ساعات العمل، والإلزام بدفع مقابل لكل موظف يعمل لساعات إضافية. ومسألة وضع حد أدنى للرواتب ليست قضية جديدة في العالم، بل كثير من الدول المتقدمة وغيرها تضع حدا أدنى للرواتب، منها بعض الدول الخليجية.
فالخلاصة، إن الحد الأدنى للأجور هدفه حماية حق المواطن في الحصول على دخل يحفظ له حقه في الحصول على عائد يوازي جهده، وتهيئة بيئة عمل تتحقق فيها ميزة تنافسية للمواطن، وتشجع على استقطاب قوى عاملة مؤهلة في السوق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي