فكر قبل أن تتبرم!

لم تحظ أي مادة دراسية في نظامنا التعليمي بنفور أكثر من ذلك الذي حظيت به مادة اللغة الإنجليزية، فهي من أكثر المواد تعقيدا وفي المراحل الدراسية كافة.
ولكن لو نظرنا لهذه المسألة بعمق سنجد أنّ هذا النفور بلا مبررّ في كثير من الأحيان، بل إنه أصبح مثل الجينة التي يورثها الآباء لأبنائهم وبالتالي يصدر المتعلمون أحكاما مسبقة قبل حتى خوض تجربة التعلم.
لماذا نحمل اللغة الثانية كل هذا السوء؟
في واشنطن العاصمة عقدت المنظمة الأمريكية لتقدم العلوم اجتماعها في فبراير الجاري، خلال هذا الاجتماع نوقش عديد من الدراسات التي ركزت على «ثنائية اللغة» وفوائد أن تكون متحدثا للغتين أو أكثر.
كان من بين النتائج الرئيسة التي توصل اليها الباحثون أن إتقان لغة ثانية في سن مبكر يسهم في ترتيب المعلومات وتصنيف الأولويات عندما تتطلب العمليات العقلية ذلك.
كما يعد تعلم لغة إلى جانب اللغة الأم خط دفاع مهما في وجه فقدان الذاكرة والخرف المبكر خصوصا لدى الأفراد المعرضين لذلك وراثيا، وأخيرا وليس آخرا تشكل عملية التعرف والإتقان هذه تمرينا مكثفا للدماغ يندر أن تحققه أي مهارة أخرى.
وفي دراسة أعدتها البروفيسورة جوديث كرول من جامعة بنسلفانيا وجد أن الأفراد الذين يتقنون لغات عدة نادرا ما يخطئون في استخدام أيها في الحديث، بل على العكس لديهم مرونة أكبر في الانتقال بينها مع المتحدث المقابل.
من جهة الاستماع يتمكنون من تلقي المفردات وتحليلها بحسب لغتها ما يعني تمرين مناطق مختلفة من الدماغ بصورة مكثفة أطلقت عليها مسمى «السيطرة المعرفية»، ولكن ينبغي التأكيد من جهة أخرى أن ذلك لا يعني أن أحاديي اللغة أقل حظا في التحصيل الدراسي بشكل عام.
هذا الاجتماع أيضا يأتي ليؤكد بطلان الأسطورة القديمة بأن التعرض لأكثر من لغة في الصغر يعرقل تعلم الأفراد ويربكهم ويؤثر في قدراتهم في التواصل مستقبلا.
دراسة أخرى مثيرة للاهتمام قدمتها إيلين بيالستوك من جامعة يورك بتورنتو التي أثبتت فيها أن ثنائيي اللغة يتمتعون بذاكرة أقوى مقارنة بالآخرين.
لا أستطيع إنكار أن ما سبق هو محاولة جاهدة لجمع أكبر قدر ممكن من الدلائل والمؤشرات التي تبدد شعور الامتعاض الذي ينتابنا عندما نطالب بتعلم لغة ثانية، ومحاولة جاهدة أيضا لتغيير واقع نعيشه.
نحنُ بحاجة لتغيير اتجاهات المتعلمين وتقبلهم لفكرة ازدواجية اللغة ليس في دراستها بمعزل عن موادهم التعليمية الأخرى بل عن طريق إحلالها في شتى جوانب الحياة.
هذا التقبل لا يأتي في غرفة الصفّ فقط بل يأتي من زرعه بالتربية والإعداد النفسي للأطفال في سنّ مبكرة من قبل والديهم، والوصية الأولى للوالدين هي الابتعاد عن ترديد العبارات المحبطة والسلبية أمام أبنائهم كلما أخفقوا في مسيرة تعلمهم للغة ثانية.
ولكي لا نلقي باللوم كلّه على الوالدين وعلى المتعلمين أنفسهم ينبغي أن نلتفت أيضاً للبرامج التعليمية والمعلمين المكلفين بنقل هذه اللغة للطلاب، إنهم بحاجة لتدريب من نوع خاص إلى جانب معرفتهم العميقة بالمادة التي يدرسونها.
تأتي أيضا لمساعدة المعلمين التقنيات الحديثة التي اكتشف تأثيرها الملموس أخيرا، هناك الألعاب التعليمية ومجموعات التعلم التعاوني وبرمجيات الكمبيوتر الداعمة لغرفة الصفّ التقليدية والتي من شأنها كسر طبقة الجليد التي بنيت بين المتعلم وبين اللغات الأجنبية!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي