رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل استخدمت المملكة سياسات التيسير الكمي؟

لم يصدر أي إثبات أو نفي لاستخدام مؤسسة النقد العربي السعودي لسياسات التيسير الكمي أثناء أو بعد الأزمة المالية العالمية، ولهذا فمن المرجح أن السلطات النقدية في المملكة لم تستخدم هذه السياسات وخصوصاً في ضوء عدم ارتفاع موجوداتها أو موجودات قسم الهيئات والمؤسسات التابع لها من السندات الحكومية. وتشير بيانات مطلوبات المصارف التجارية على القطاع العام في المملكة إلى تراجع كبير في حجم السندات الحكومة لدى المصارف التجارية بين الربعين الثالث والرابع من عام 2008، حيث بلغ الانخفاض نحو 13.5 مليار ريال أو نحو 13 في المائة من إجمالي ممتلكات المصارف التجارية من هذه السندات عند نهاية الربع الثالث من عام 2008، أي عند بداية الأزمة المالية العالمية. وهذا المعدل أعلى من معدلات تراجع محفظة المصارف التجارية من هذه السندات قبل الأزمة المالية العالمية. وقد استمر التراجع في محفظة المصارف التجارية من السندات الحكومية في الربع الأول من عام 2009م، حيث تراجعت بنحو تسعة مليارات ريال. أما حجم أذونات الخزانة فقد ارتفع بحدة في الربع الرابع من عام 2008، ولكنه تراجع بنهاية الربع الأول من عام 2009.
وقد شهدت احتياطات المصارف الإلزامية تراجعاً ما بين نهاية الربع الثالث والربع الرابع من عام 2008 بنحو 31.5 في المائة مع خفض مؤسسة النقد العربي السعودي ''ساما'' لمتطلبات الإيداع الإلزامية. من جهةٍ أخرى، ارتفعت ودائع المصارف التجارية الأخرى لدى مؤسسة النقد من نحو خمسة مليارات ريال عند نهاية الربع الثالث من عام 2008 إلى أكثر من 41 مليار ريال، وهو ما يعني نسبة زيادة تتجاوز 800 في المائة. وواصلت هذه الفوائض ارتفاعها حتى بلغت نحو 80 مليار ريال عند نهاية الربع الأول من عام 2008، أي أنها تضاعفت نحو 16 مرة في الأشهر الستة التي شهدت تعمق الأزمة المالية العالمية. والارتفاع الكبير في ودائع المصارف التجارية غير الإلزامية لدى المصرف المركزي هو أهم أهداف سياسات التيسير الكمي.
وجاءت الزيادة في ودائع المصارف التجارية غير الإلزامية لدى مؤسسة النقد من عدة مصادر، حيث ساهم خفض متطلبات الإيداع الإلزامي بجزء كبير من الزيادة في ودائع المصارف الأخرى، كما ارتفعت ودائع قسم الهيئات والمؤسسات المستقلة التابع لمؤسسة النقد العربي السعودي والذي يدير الأعمال المصرفية للمؤسسات شبه الرسمية مثل مصلحة معاشات التقاعد ومؤسسة التأمينات الاجتماعية وصناديق التنمية لدى المصارف التجارية. وارتفعت ودائع هذا القسم لدى المصارف التجارية من أقل من نصف مليار ريال في نهاية الربع الثالث من عام 2009 إلى أكثر من 19 مليار ريال في نهاية الربع الأول من عام 2009. وأدت هذه الزيادة الكبيرة وبلا شك إلى رفع السيولة لدى المصارف التجارية وهي أحد وسائل التيسير الكمي. ويبدو أن هذه الممارسة توقفت بشكل كلي عند بداية 2010، حيث تراجعت عمليات الإيداع هذه إلى أقل من مليار ريال عند نهاية الربع الأول من عام 2010، وتلاشت فيما بعد. وساهم خفض موجودات المصارف التجارية من السندات الحكومية في رفع ودائع المصارف التجارية الأخرى لدى مؤسسة النقد العربي السعودي. وجاء انخفاض محفظة المصارف من السندات الحكومية طويلة الأجل والذي رفع من حجم القاعدة النقدية بسبب انتهاء فترة استحقاق جزء منها، ولكن هذا لا يلغي أمكانية شراء هذه السندات بعلاوات مالية من السلطات المالية. وقد مكنت الفوائض المالية الضخمة المحققة في عام 2008 السلطات المالية من خفض حجم السندات الحكومية طويلة الأجل مما قاد إلى تأثير مماثل لسياسات التيسير الكمي وإن لم تقم به السلطات النقدية، وخصوصاً أن هذه المبالغ سحبت من الاحتياطات الأجنبية للدولة.
وقد ساهم خفض محفظة المصارف التجارية من السندات وارتفاع ودائعها لدى مؤسسة النقد في استقرار القطاع المصرفي أثناء الأزمة المالية العالمية وبعدها. وهذا يطرح سؤلاً عن التوقيت الأمثل لسداد الدين العام من احتياطات الدولة وإمكانية رفعها لحجم القاعدة النقدية، وزيادة السيولة في الاقتصاد، مما قد يتسبب ببعض الآثار غير المرغوب فيها مثل رفع معدلات التضخم. ويلاحظ أن أحجام أذونات الخزينة لدى المصارف التجارية ارتفعت بحدة في عام 2008، وذلك من أجل امتصاص السيولة الفائضة والتي نتج بعضها من سداد سندات التنمية. وأعتقد أن الارتفاع في حجم أذونات الخزينة خلال الربع الأخير من عام 2008 كان مجانباً للصواب، حيث يبدو أنه أسهم في تجفيف السيولة في وقت كانت فيه الأسواق بأشد الحاجة للسيولة، ولكن المؤسسة تداركت هذا الزلل في الربع الأول من عام 2009. ولهذا ينبغي توخي الحذر في مسألة توقيت وحجم سداد الدين المحلي من احتياطات الدولة، فقد يكون الوقت الأنسب لسداد الدين الوطني في أوقات التراجع الاقتصادي.
وعموماً لا يبدو أن السلطات النقدية في المملكة تعمدت استخدام سياسات التيسير الكمي، ولكن ارتفاع وتيرة تسديد الدين المحلي أثناء الأزمة المالية العالمية قد تكون أدت إلى النتائج نفسها التي تستخدم من أجلها سياسات التيسير الكمي، فقد تزامن تراجع محفظة المصارف من السندات الحكومية طويلة الأجل بأكثر من 22 مليارا مع ارتفاع ودائع المصارف غير الإلزامية لدى مؤسسة النقد بمعدلات مرتفعة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي