«أرامكو» .. ومخاطر تغيير المهام
ذُكر ـــ إعلامياً ـــ أن محافظة جدة تفكر في إسناد مهمة إعادة تأهيل البنية التحتية بعد آثار السيول إلى شركة أرامكو. أتى هذا الخبر بعد أن أشرفت "أرامكو" على تأسيس جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، وإسناد الاستاد الرياضي في جدة إلى "أرامكو"، وكذلك معهد الملك عبد الله للدراسات البترولية في الرياض، وقبل ذلك الخزن الاستراتيجي. في الأساس شركة أرامكو تهدف إلى استكشاف وإنتاج وتكرير وتوزيع النفط ومشتقاته. الخروج عن هذه الدائرة يعد تغيراً من عدة نواح ومستويات. في ظل هذه المستويات المتفاوتة هناك تناقض مبدأ؛ فتفوق شركة أرامكو (كمؤسسة حكومية في الجوهر) متخصصة في مجال واحد، يقابله تقصير فاضح في مؤسسات حكومية أخرى مما اضطر الحكومة إلى الاستعانة بمؤسسة حكومية للقيام بأعمال مؤسسات حكومية أخرى مثل وزارة التعليم العالي، ورعاية الشباب، وأمانة جدة، ولا أحد يعرف من القادم.
اقترن اقتصاد المملكة الحديث بتأسيس جوهرة الاقتصاد السعودي ـــ شركة أرامكو ـــ ينقصنا التحقيق والتمحيص المستقل للحكم على أداء "أرامكو" مقارنة بالشركات العالمية في مجالها. ولكن مهما تكون المعايير، فشركة أرامكو أفضل الموجود لما يكون الأداء ضعيفا وغير موثوق ببعض الأجهزة. في مستوى آخر اللجوء إلى "أرامكو" هو اعتراف بالواقع الأليم الذي وصل إليه الأداء في بعض الأجهزة بعد تراكم العيوب الهيكلية، والتجاوزات الإدارية، والنظامية، والتنازلات التدريجية, بما في ذلك من فساد مالي. الاعتراف بالحق فضيلة وخطوة أولى في الاتجاه الصحيح، ولكن التكلفة المجتمعية عالية جدا.
الحقيقة هي الخطوة الأولى نحو إصلاح هذه النماذج غير المتماشية مع العصر، ولكننا نصر في كل فرصة على الحلول القصيرة الأجل والمراهنة على ما هو موجود، على حساب ما نستطيع إيجاده من تغيير جذري في نهجنا التنموي. أول ما سيتبادر إلى ذهن الغالبية العظمى من الناس، وخاصة مَن يتشدقون بالإصلاح، هي النزعة المثالية والتي تبدأ بالعدالة ومحاربة الفساد وعقاب المقصرين، وما إلى ذلك من الدعوات التي لا تخلو من حسن النيّات، ولكنها بعيدة عن الواقع أو التأثير فيه.
يتسم الاقتصاد السعودي بعدة خصال أهمها استنزاف الثروة النفطية، والطبيعة الاستهلاكية، والاعتماد على العمالة الأجنبية. هذه الصفات تعمل كلها في اتجاه واحد: تصدير رأس المال والذي هو ضد مبدأ التطور الاقتصادي بتراكم رأس المال وطنيا. الاعتراف بريعية الاقتصاد ثم إعادة هيكلته طبقا لهذا المفهوم الواضح هو الحل. آلية هذا الحل هي عملية تخصيص فاعلة، وترشيد الدعم بدفعه إلى مستحقيه مباشرة، وبالتالي تقليل موظفي الحكومة بدفع السعوديين لأخذ مكان الجزء المؤثر من العمالة الأجنبية في اقتصاد سوق نشط ومجز. هذه منظومة متكاملة، أخذها جزئيا وبنصف جدية يصيب المشروع النهضوي في مقتل ويبقينا في دائرة الحالة الترقيعية. إقحام "أرامكو" في غير تخصصها، خاصة أن الشركات تتجه إلى مزيد من التخصص، تعبير واضح عن الحالة الترقيعية. فهناك خطر أن نفسد "أرامكو" من خلال الاستعانة بها.
يقف الاقتصاد السعودي أمام منعطف مهم، وما الاستعانة بـ "أرامكو" في خدمات البلدية، إلا اعتراف صارخ باستهلاك النموذج الحالي. لذلك حان الوقت للعودة إلى الأدراج، والقفز القيادي على أجهزة اقتصادية ومالية أثبتت قصورا مخجلا.