احتكار الأراضي سبب رئيس في تفاقم الأزمة الإسكانية في الرياض
أعدت الهيئة العليا لتطوير الرياض أخيرا دراسة حول ميزان العرض والطلب في سوق الإسكان في العاصمة السعودية، ونشرت في مجلة تطوير في العدد الـ 62، وجاءت الدراسة الرسمية لتبين الواقع الإسكاني في مدينة الرياض وحجم المشكلة والحلول المطروحة، ووصف خالد بن عبد الله بن إبراهيم البواردي، الرئيس التنفيذي لشركة تداولات، تلك الدراسة بالممتازة؛ لشفافيتها ولما احتوته من معلومات دقيقة.
وأضاف البواردي: "إن هذه الدراسة جاءت كرد على بعض تجار الأراضي الكبار والمضاربين الذين استغلوا عدم وجود معلومات عن السوق الإسكانية لمدينة الرياض ليقوموا بترويج إشاعاتهم عن المبالغة في حجم الطلب؛ وذلك لرفع أسعار قيمة الأراضي إلى حد غير معقول، وللأسف فقد تحقق لهم ما يريدون"، مشددا على أن مثل هذه الدراسة ستكبح جماح التضخم في أسعار الأراضي وإعادتها إلى المستوى الطبيعي، وذلك بعد تطبيق التوصيات التي أوصت بها هذه الدراسة. البواردي، الذي أشاد بالدراسة، قدم قراءة سريعة وملخصة للخطوط العريضة لها.. إليكم القراءة:
لقد نشأت مشكلة الإسكان في مدينة الرياض منذ سنوات عدة، لكنها بدأت تتفاقم منذ بداية عام 2006-2007 عند انهيار أسعار الأسهم وانهيار الثقة في الاستثمار فيه، وقد كان لنشأتها وتفاقمها أسباب عدة، منها النمو الكبير في عدد السكان وانتقال رؤوس الأموال من سوق الأسهم إلى سوق العقار للمضاربة، إضافة إلى أسباب أخرى، من أهمها احتكار الأراضي البيضاء من قبل فئة قليلة من تجار العقار.
وكان المهم في هذه الدراسة، إضافة إلى ما ذكر أعلاه، أنها ذكرت أن هناك حاجة إلى 30 ألف وحدة سكنية سنويا، ولم تذكر أن هذا هو الطلب، وذلك خلافا لما يروجه تجار العقار. وهناك فرق كبير بين الحاجة والطلب؛ فالحاجة إذا لم يصاحبها قدرة ورغبة فهي لا تمثل طلبا حقيقيا".
وعلى الرغم من أن عنوان الدراسة يوحي بأن هناك طلبا بحجم الحاجة، إلا أن الدراسة شرحت بالتفصيل أن هناك حاجة، لكن لا يوجد قدرة؛ لذا فهو إلى الآن ليس طلبا حقيقيا". ولأنه لا يمكن توفير منتج سكني يتناسب مع دخل الأسرة السعودية فإن الوضع يبقى على ما هو عليه، شبه معلق. فصاحب الأرض متمسك بسلعته ويرغب في أن يبيعها بأغلى الأثمان وينتظر أن تقوم الحكومة أو الرهن العقاري بمساعدة المواطن على شراء سلعته. وطالب المسكن في انتظار نزول الأسعار أو أن توفر له الحكومة حلا لمشكلته. ولا ندري إلى متى سيدوم الانتظار.
ولأهمية هذه الدراسة لأصحاب القرار وللمستثمرين وكذلك للمواطنين يجب الاستفادة من ما توصلت إليه وقراءتها بتمعن وبموضوعية، بعيدا عن أهوائنا الشخصية؛ لنفهم احتياجات المواطن والبلد على حد سواء.
ملخص الدراسة:
لقد توصلت الدراسة إلى ما يلي:
- نمو سكاني كبير في مدينة الرياض يزيد على 8 في المائة في الفترة من 1407 - 1417هـ إلى أن بلغ عدد السكان 4.9 مليون نسمة. (ولم تذكر النسبة والعدد إلى عام 1431).
- يوجد تسعة مشاريع ضخمة للإسكان الشامل توفر أكثر من 105 آلاف وحدة سكنية لذوي الدخول المرتفعة والمتوسطة. "ومن المؤكد أنها ازدادت بعد الدراسة".
- بلغت مساحة النطاق العمراني في مدينة الرياض حتى حدود حماية التنمية أكثر من 5300 كيلومترمربع.
- مساحة الأراضي المطورة 750 كيلومترا مربعا بنسبة 13.9 في المائة من الأراضي الواقعة قي النطاق العمراني في مدينة الرياض.
- مساحة الأراضي البيضاء 4164 كيلومترا مربعا بنسبة 77.4 في المائة من إجمالي النطاق العمراني.
- تحتاج الرياض إلى 30 ألف وحدة سكنية سنويا حتى 1450.
- تكلفة الأرض بلغت 50 في المائة من قيمة المسكن. (وذلك عند إعداد الدراسة والآن أصبحت تزيد على هذه النسبة).
- زيادة عدد الوحدات السكنية المنشأة في الفترة من 1427-1430 لتصل إلى 831 ألف وحدة.
- احتلت نسبة الوحدات السكنية من نوع شقق أعلى نسبة زيادة لتصل إلى 41 في المائة من عدد الوحدات المنشأة في مدينة الرياض.
- نسبة الفيلات والدبلكسات وصل إلى 55 في المائة.
- صافي الكثافة السكانية 38 وحدة سكنية لكل عشرة آلاف مترمربع، أي بمتوسط 264 مترا مربعا للوحدة السكنية.
- ضعف قدرة الأسرة السعودية على امتلاك وحدة سكنية.
- تكلفت الفيلا الصغيرة بمساحة 320 مترا مربعا هي 820 ألف ريال "عند إعداد الدراسة وقد ازدادت الآن".
- يجب ألا يقل دخل الأسرة السنوي عن 171 ألف ريال؛ لتتمكن من شراء الوحدة السكنية أعلاه بقرض ميسّر.
- قيمة المسكن الذي تستطيع الأسرة السعودية أن تحصل عليه هي 542 ألف ريال مع قرض ميسر.
- لا تزيد مساحة المسكن الذي تستطيع الأسرة أن تمتلكه على 216 مترا مربعا (عند إعداد الدراسة، أما الآن فأقل من ذلك).
التوصيات الناتجة
من الدراسة:
- طرح آليات وبرامج وتنظيمات تدفع بسوق الإسكان إلى توفير مساكن مستقلة تراوح قيمتها بين 250-500 ألف ريال، والتركيز في قضايا مثل تعديل تنظيمات البناء واشتراطاتها بما يسمح بإنشاء مساكن صغيرة ومستقلة تتوافق تكلفتها مع مقدرة الأسر المالية حتى تتحقق توجهات الدولة في تمكين المواطنين من الحصول على المسكن الملائم وزيادة معدلات التملك.
- تطوير نماذج إسكانية بديلة للفيلات والدبلكسات ودفع القطاع الخاص إلى المشاركة والمساهمة بشكل فعال في عملية تمويل الإسكان الميسّر.
- العمل على استمرار الدعم الحكومي من خلال برامج منح الأراضي، وقروض صندوق التنمية، وبرامج الإسكان الشعبي.
قراءة للدراسة
لا شك أن مشكلة توفير سكن لعائلاتنا من أهم أولوياتنا في الحياة؛ ففيه ملجأ لهذه الأسرة وأمن لها من نوائب الدهر، فيكفيك منه أنك لن تصادف مالكه عند نهاية مدة الإيجار يقف لك عند الباب بالمرصاد، مطالبا بحقوقه أو بطردك أنت وأسرتك إلى الشارع. وفيه أيضا رفاه للعائلة بتوفير مدخولها بدلا من صرف 30 في المائة منه على الإيجارات.
الدراسة أعلاه أثبتت أن هناك مشكلة سكن في مدينة الرياض، وأن المشكلة تتفاقم وستصبح كارثة إذا لم يوضع لها حلول سريعة، حيث إن بداية الحل تتمثل في اكتشاف المشكلة والاعتراف بها، فإننا بحمد الله على الطريق الصحيح، أو نأمل في أن نكون كذلك.
تبين الدراسة أن المشكلة الرئيسة هي عدم تمكن الأسرة السعودية من امتلاك مسكن؛ وذلك لارتفاع سعر الأرض، وهو أهم سبب. كما أوضحت الدراسة أن هناك توجها إلى تملك الأسر السعودية للشقق السكنية والوحدات الصغيرة كالدبلكسات حلا للمشكلة. وإن الأسرة لا تستطيع أن تمتلك وحدة سكنية تزيد قيمتها على 530 ألف ريال. وهذا يعني أن صافي الكثافة السكانية لكل ألف متر ستزيد، أي أن الأرض التي مساحتها 650 مترا مربعا كانت تسكنها في السابق عائلة واحدة، أما الآن فستسكنها من ست إلى ثماني عوائل؛ على افتراض شقق في عمائر من ثلاثة أدوار ونصف. وهذا يعني أن الطلب على الأراضي سيكون 70-80 في المائة أقل من ما كان متوقعا سابقا، حيث إنه كان من المتوقع أن كل مواطن سيسكن في وحدة سكنية مساحتها 650 مترا مربعا.
وتغير نمط المواطن الاستهلاكي إلى شراء شقة بدل فيلا 650 مترا، والذي أجبره عليه دخله المتدني وارتفاع الأسعار فإن هذا سيغير قواعد اللعبة. فبعد أن كان المواطنون يحتاجون إلى مليون مترمربع على سبيل المثال، أصبح يكفيهم الآن 200-300 ألف مترمربع، وهذا تحول جذري في معادلة العرض والطلب. والواضح أن السوق العقارية لم تتأقلم إلى الآن مع هذه المعادلة الجديدة، وكلما تأخر التأقلم كان وقعه على السوق أكبر. كما أن هذا يدل على أن الموجود من الأراضي المعروضة أو غير المطورة يفوق حاجة المدينة بعشرات الأضعاف ويكفيها إلى 100 سنة مقبلة، أو أكثر في حال البناء الأفقي، أما في حال البناء العمودي فإن الأراضي المتوافرة ستكفينا إلى مئات السنين.
وقد ذكرت الدراسة، أن مساحات الأراضي المطورة داخل النطاق العمراني هي 750 كيلومترا مربعا، في حين أن الأراضي غير المطورة داخل النطاق العمراني تبلغ نحو خمسة أضعاف، ذلك بإجمالي مساحة 4164 كيلو مترا مربعا تشمل المناطق الوعرة والوديان. وإذا افترضنا أن مساحة الوديان والمناطق الوعرة هي 40 في المائة من إجمالي المناطق غير المطورة يكون الصافي 2500 كيلو مترمربع، وفي حال افتراض أن 60 في المائة من هذه المساحة المتبقية هي أراض سكنية، أي بإجمالي 1500 كم2، وبافتراض أن المواطن يحتاج إلى فيلا 500 متر للسكن، فإن الأراضي غير المطورة والواقعة في النطاق العمراني ستوفر ما يقارب ثلاثة ملايين مسكن، أي ما يكفي لسكن 18 مليون نسمة، حيث إن معدل عدد أفراد الأسرة هو ستة أفراد. وإذا تم تقسيم هذا الرقم على عدد الوحدات المطلوبة سنويا، وهي 30 ألف وحدة فسيكون الناتج تلبية احتياج الإسكان لمدينة الرياض لمدة 100 عام.
التوصيات التي نتجت من هذه الدراسة
على الرغم من كبر حجم المشكلة، يبدو أن الحلول بسيطة وستكون سريعة المفعول إذا ما تم اتخاذ إجراءات لحلها. وقد تطرقت التوصيات إلى بعض الحلول، لكنها لم تذكر حلولا أخرى أكثر أهمية. وعلى الرغم من أن التوصيات التي توصلت لها الدراسة ستسهم في حل جزء من المشكلة، إلا أن هناك توصيات لم تتطرق لها الدراسة، وهي بالأهمية نفسها، إن لم تكن أهم، ستضمن حلا جذريا، وهي:
1 - تعديل نظام البناء بما يخص الارتفاعات في جميع الشوارع التجارية، ومنها شارع الأربعين وشارع الستين، فإن تم هذا القرار فستضاف مئات الآلاف من الوحدات السكنية. ولا ننس العدد الكبير من الوحدات السكنية، التي أضافها قرار وزير البلدية قبل بضعة أشهر حين تم تعديل الملاحق العلوية ليسمح ببناء ما نسبته 50 في المائة.
2 - تطبيق زكاة على الأراضي البيضاء واستخدام تلك الأموال لبناء مساكن لمن هم في حاجة من الأرامل والأيتام والمساكين. وهذا سيفيد في زيادة المعروض ونزول الأسعار.
3 - حل المشكلات والمنازعات والتعديات على الأراضي، كما فعل خادم الحرمين - حفظه الله - في أراضي مكة المكرمة، وكما فعل الأمير سلمان بن عبد العزيز في أراضي قيران، وكما يفعل الأمير خالد الفيصل في جدة.
إضافة إلى ذلك، فإن الدراسة المذكورة لم تطرق إلى زيادة العرض من المساحات المكتبية، التي يتوقع أن يؤثر على المعروض من السكني وهو ما لم يكن في الحسبان. وذلك عندما يتم تحويل المباني التجارية التي تحت الإنشاء حاليا إلى مبان سكنية؛ لانعدام الطلب على التجاري خلال السنة المقبلة.
ولا نستغرب من هذا التوقع؛ لأن المساحات المكتبية الموجودة حاليا تقدر بمساحة 1.2 مليون مترمربع والعرض أكثر من الطلب. وبحسب آخر دراسة سيضيف مركز الملك عبد الله المالي ما تقدر مساحته بـ 1.7 مليون مترمربع، وليس هذا فحسب؛ فهناك الكثير من المشاريع المكتبية، وعلى سبيل المثال أبراج العليا، ومجمع أعمال غرناطة، وبوابة الأعمال التجارية، ومجمع تقنية المعلومات والاتصالات، كما أن القائمة تطول بذكر المشاريع الخاصة التي نراها على طريق الملك فهد وطريق العليا تزينها لوحات المكاتب العقارية التي تارة تقول للإيجار بالكامل وتارة بالتجزئة، ونخشى أنها ستتطور لتكون من دون مقابل لأول سنة، ومن ثم للبيع لعدم التفرغ.
والحل الوحيد لهذه المباني هو التحول إلى مبان سكنية؛ لأن زيادة العرض في المكاتب التجارية إلى أضعاف الطلب سيجعل سعر التجاري مقاربا للسكني إن لم يكن أقل، وسينتج من ذلك كساد في المكاتب التجارية.