هل قرر العرب أن يغيروا ما بأنفسهم؟
زلزال مصر من القوة بحيث شعر به سكان المعمورة من أقصاها إلى أقصاها. نعم كانت أرض الكنانة مركزه، لكنه زلزل الأرض من تحت أقدامنا جميعا، أفرادا ودولا، ولا سيما القاطنين في منطقة الشرق الأوسط. هذه الثورة التي قادها الشباب العربي والمسلم جعلت الشرق الأوسط برمته منطقة مرشحة للزلازل الشديدة. هذه الميزة الجديدة التي أدخلتها هذه الثورة تتطلب من الكل، ولا سيما النظم العربية، الاستعداد الكامل للتغير الذي يبدأ أول ما يبدأ بالذات بغية درء الأخطار المحتملة.
عندما يسقط نظام سياسي بعد حكم عنيف وطويل، تبدأ فترة تشفي وتدنيس السمعة وغرس السكاكين ترافقها حملة يتبرأ فيها الكل تقريبا من السياسات والأعمال التي رافقته. الحمد لله أن التغيير الذي شاهدناه في كل من تونس ومصر كان على أيدي أبناء الشعب في كلا البلدين. والشعب هو صاحب الدار وهو أدرى ببيته وما يتطلبه من أمور لإعادة تنظيمه بشكل أفضل. فنرى مثلا لم يقم الثوار والمنتفضون بالاقتصاص من بني قومهم ومؤسساتهم المدنية والعسكرية والاقتصادية، وغيرها كما حدث في العراق، حيث جرى التغيير على أيدي قوة أجنبية غازية غاشمة جلبت معها شلة من المنتفعين غير القادرين على تغيير أنفسهم.
إن التغير يتطلب أول ما يتطلب تغيير النفس نحو الأفضل. إن كانت النظم السابقة في كل من: مصر وتونس عنيفة وغير ديمقراطية وفاسدة لا تحب شعبها، بل تعمل لنفسها وحاشيتها وسادتها من الأجانب وتحارب شعبها، فإننا نتوقع من القادة الجدد أن يجلبوا الخير لشعوبهم وأن يحاربوا الفساد ويؤسسوا لنظم ترفع من شأن أوطانهم ويتبعوا سياسات تجعل مصالح العرب والمسلمين فوق المصالح الأجنبية.
بمعنى آخر، إننا نتوقع نهضة اقتصادية واجتماعية وعلمية وتربوية ترفع مكانة الشعب والدولة إلى مصاف الدول المتطورة. ولنا في ماليزيا وأخيرا إندونيسيا - التي سأتحدث عنها وعن نهضتها في مقال منفصل قريبا - أسوة حسنة. الدولتان تنموان بطفرات مدهشة وتحافظان في الوقت نفسه على قيم الإسلام السامية لدرجة أن الماليزيين يحبون اليوم اللغة العربية؛ لأنها لغة القرآن، أكثر من حب كثير من العرب لها. والدولتان تدافعان عن القضايا الإسلامية والعربية أكثر من كثير من الدول العربية والإسلامية في الشرق الأوسط. والتغير لا يحدث إلا بعد أن يبدأ القوم بتغيير أنفسهم وكلما يقع نظري على إحصائيات تظهر التطور الهائل الذي يحصل في ماليزيا وإندونيسيا، أتذكر الذكر الحكيم والآية البديعة المليئة حكمة وفطنة من سورة الرعد: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ). هذه الآية العظيمة نرددها كثيرا في نقاشاتنا وكتاباتنا ومجالسنا؛ لأنها تحمل مدلولات كبيرة ذات علاقة مباشرة بحياتنا اليوم، أفرادا وعائلات ومجموعات ونظما ودولا. ومن هذا المنطلق أنظر إلى مستقبل تونس ومصر وكذلك مستقبل العالم العربي، الذي حقا يحتاج إلى تغيير في النفس قبل التغيير في النظم. النظم يديرها أشخاص. إن غيَر هؤلاء الأشخاص أنفسهم لغيروا مجتمعاتهم معهم كما حدث ويحدث في ماليزيا وإندونيسيا.
وإن لم تتغير الأنفس، أخشى أن يقع في تونس ومصر ما وقع في العراق رغم الفوارق الكبيرة والظاهرة بين التجربتين. نذكر العراق دائما؛ لأن التغير فيه أبكانا دما، حيث تم تبديل نظام قمعي بآخر أكثر قمعا وقبل ''ثوار التغير''، وضع أنفسهم وحياتهم ومصيرهم، لا بل ''وطنيتهم'' تحت أقدام الأجنبي، صاحب نعمتهم. وبدلا من أن يغيروا ما بأنفسهم، هبطوا على أرض السواد، أرض الرافدين، مثل أسراب الجراد أقسمت على التهام كل أخضر وإحالته حطبا.
وإلى اللقاء.