5 سنوات بعد الانهيار الكبير: حالة السوق
تلتقي ظروف الفقاعات المالية في نقطة تقاطع حالة نفسية متعطشة عادة ما تكون بعد حالة من السبات في الأسواق المالية وحالة موضوعية مواتية اقتصاديا ورقابيا، اقتصاديا حينما كانت هناك أسهم قليلة ورغبة في الشراء، وماليا كانت القروض ميسرة، ورقابيا كانت هناك مصالح مشتركة بين المقرضين والمضاربين، وعادة ما تبدأ الشرارة بتوافر سبب حقيقي مثل ارتفاع أسعار النفط في المملكة. إلى أن وصلنا إلى حالة من الجنون الذي انتهي بالحسرة للأغلبية العظمى. الأهم أن سوق الأسهم لم يكن يقوم بالغرض الأساسي له: خط "إنتاج" رأس مال لتمويل قطاعات اقتصادية، بل كان مرآة عاكسة لنظام مالي قائم على "تدوير" رأسمال دون هدف اقتصادي. بعد الواقعة الكبرى في فبراير 2006 (وقد وصفناها في نهاية يناير 2006 على صفحات هذه الجريدة)، تنبه المسؤولون بعد ما وقعت الفأس في الرأس.
ثم بدأت حالة من إشباع الطلب المتأخر بإمداد السوق بالأسهم، ولكن البُعد الاقتصادي لم يتغير جوهريا. فالسوق لا يزال لا يقوم بالدور الأساسي، ولكن الأمور لا تبقى كما هي، طبيعة الحياة هي الحركة والتغيير. تدريجيا دخلنا مرحلة وسطية بدأت تكتمل في عام 2010. هذه الحالة الوسطية ما زال سوق الأسهم لا يقوم فيها تماما بالدور المنوط به، ولكنه ليس ناديا للمضاربة تماما أيضا. فهو شيء من هذا وذاك. فبدأ يتردد في قبول بعض الأطروحات مثل "الطيار" و"الخضري" ويرفض الارتفاع غير المحسوب ولكنه يفشل في تقييم بعض القطاعات وبدأ الجهاز الرقابي يخاف من النتائج الوخيمة للمضاربات. إيجابيا بدأ السوق يميز تدريجيا بين الغث والسمين والأهم أنه أصبح "مقيما" أكثر عقلانية، كذلك بدأ حجم التداول في نطاق معقول، هذا من ناحية فنية، ولكن من ناحية أساسية فهو في حالة توجس فأسعار النفط العالية لم تترجم إلى ارتفاع كبير (ارتفع المؤشر 8 في المائة فقط لعام 2010). لا تزال هناك طلبات "إصدارات جديدة" هدفها التخارج وليس زيادة رأس مال لتمويل استثمارات حقيقية ولكن لدى الجهات الرقابية توجسا مفهوما و"إدارة" معلقة لموضوع الأصل فيه الحرية الاقتصادية، وقد يكون هذا عامل ضغط على السوق في المستقبل امتدادا للماضي القريب.
في السنوات القليلة المقبلة لم يتغير دور السوق كثيرا وسيبقى مثمنا ووسيلة تخارج ووسطا استثماريا وحتى مضاربيا بالحد المقبول. هذه الأدوار المتضاربة جزئيا تعكس جزءا كبيرا من الحالة الاقتصادية في المملكة. لا تزال هناك درجة من الفصل بين الاقتصاد الحقيقي وسوق الأسهم. الحالة المالية في المملكة أهم بكثير من الناحية الاقتصادية مفهوما وممارسة ولذلك لا بد لسوق الأسهم أن يعكس هذا الواقع. ولكن هذا لا يكفي للمقارنة، حيث أن طبيعة الحركة في الأسواق تبتعد أحيانا عن وتيرة الحركة الاقتصادية. فمؤشر نازداك Nasdaq لم يستعد مستوى 5000 نقطة بعد نحو عشر سنوات من الانهيار في عام 2000، ومؤشر اليابان الذي وصل إلى 38 ألفا في عام 1989 لا يزال عند 10600 نقطة بعد أكثر من 20 عاما، ولذلك فإن الانهيارات الكبرى ليست غير مألوفة ولا سريعة الارتداد.
استشرافا للمستقبل القصير لن يتحرك السوق كثيرا في حال استمرار سيطرة الهيئة على العرض واستمرار أسعار النفط في هذا المستوى، وفي المدى الأبعد نحتاج إلى تقليل الدور المالي وتفعيل الدور الاقتصادي في إدارة التنمية مما سيؤثر على السوق هيكليا وتقييميا، لا يكفي أن تكافح الهيئة في حماية الناس بسبب تعطل السياسات الاقتصادية. بدأنا نستهلك دور المال وربيبه سوق الأسهم انتظارا لسياسات اقتصادية فاعلة.