غابة الحبر والورق «2 من 2»
أستطيع تفهم ألبرتو مانجويل في حالة عبّر عن صعوبة الانتهاء من كتابة «المكتبة مساء»، القارئ ـــــــــــ في هذه الحالة أنا ـــــــــــ يجد نفسه مذهولاً بالتفاصيل الغزيرة التي يوردها الكاتب. يبدأ بالحديث في الفصول من وجهة نظر تاريخية ثمّ يلتقط الأمثلة الحية من نتاج الأمم الأدبي والثقافي، وهو حين يفعل ذلك لا يعلم أن شرارة الفضول تولد مع كلّ سطر وربما كانت تلك رؤيته الخيالية لتكوين «المكتبة اللانهائية» في أذهاننا.
في فصل «المكتبة كـ شكل» يصف مانجويل مكتبات شهيرة حول العالم، من المدهش حقاً ما يذهب إليه القائمون عليها منذ أن تبدأ فكرة التصميم وحتى تستقبل أول زوارها.
في فرنسا على سبيل المثال مكتبة Bibliotheque Nationale de France المكتبة الوطنية التي تتخذ شكل كتب مفتوحة ومتقابلة، هذا التصميم اللافت للانتباه والمحتفظ بأشكال البناء التقليدية أصبح بصمة على وجه مدينة باريس.
بينما في مدينة برلين الألمانية مكتبة جامعة Freie Universitat، صممها المعماري الإنجليزي نورمان فوستر على هيئة جمجمة، وأصبحت تسمى بـ العقل The Brain.
تتوالى الأمثلة التي يوردها الكاتب عن تصاميم ونماذج على مدى التاريخ، ويعود بنا إلى الوراء ليضع بين أيدينا مخطوط رسمه مايكل أنجلو لتصميم مكتبة Laurentian الشهيرة، التي ما زالت قائمة في مدينة فلورنسا الإيطالية بغرف قراءتها المميزة، ومداخلها الرخامية الأسطورية.
المكتبة «هوية» وفي هذا الفصل يشرح لنا مانجويل كيف يرتبط سكان المدن بمكتباتهم العامة، كيف تصبح المكتبة هوية للشعب.
في نيويورك الأمريكية ـــــــــــــ منطقة كوينز تحديداً ــــــــــــ تقع أكثر مكتبات الولايات المتحدة الأمريكية نشاطاً وحركة، إذ يتم تدوير ما يزيد على 15 مليون عنوان بين كتب ومواد فلمية وصوتية.
ما الذي يجعل هذه المكتبة بالذات الأكثر نشاطا؟
في مدينة نيويورك يستقر أكبر عدد من المهاجرين الجدد لأمريكا، وفي كوينز بالتحديد.
تشكل هذه المكتبة اللبنة الأولى لبناء التصور الكامل عن الحياة في أمريكا، هذه المكتبة بمثابة دليل المستخدم للأمريكيين الجدد.
وبما أن نصف سكان كوينز - تقريباً - يتحدثون لغة أما إلى جانب اللغة الإنجليزية، فإن طاقم العمل في المكتبة يتحدثون عدة لغات من بينها الصينية والروسية والهندية والكورية والإسبانية وغيرها. هؤلاء الموظفون يقدمون إلى جانب محتويات المكتبة نصائح عن كيفية استصدار رخصة القيادة مثلاً، أو كيفية تصفح الإنترنت وتعلم اللغة الإنجليزية.
اذا كما أسلفت تصبح المكتبة هوية لأولئك الذين تركوا أوطانهم خلفهم، بطاقة عبور ربما؟ وبيتاً كما أفرد لها مانجويل فصلاً في كتابه.
في «المكتبة مساء» يلقي الكاتب الضوء على صور من مكتبات غير تقليدية، مختلفة عن الشكل الذي عهدناه للمكتبة برفوفها وكتبها المتراصة.
في بوغوتا الكولومبية وفرّت وزارة الثقافة منذ عام 1982م خدمة مواصلات عامة تنقل فيها الحافلات الركاب للمكتبات العامة الموزعة في العاصمة.
ولكن ماذا عن المناطق الجبلية النائية؟ لحلّ مشكلة انقطاع الأفراد في تلك المواقع وبعدهم عن المدن، هيأت الوزارة خدمة المكتبات المتنقلة.
في عام 1990م نقلت الحمير صناديق خضراء ضخمة تحوي مجموعة من الكتب التي قد تثير اهتمام ساكني الجبال، وتنوعت بين الكتب التعليمية والروايات والملاحم الشعرية.
تصل الصناديق للقرى ويتسلمها أحد المسؤولين المعينين من قبل السكان، يعيرها ويعود لتسلمها بعد انتهاء الفترة الزمنية المقدرة لتعود في الصندوق، ويتمّ استبدالها بكتب جديدة وهكذا.
في الخاتمة التي وضعها مانجويل للكتاب يروي قصة جدته مع الهاتف، يقول: جدتي سيدة ولدت في نهاية القرن التاسع عشر رفضت استخدام الهاتف عندما رأته أول مرة، تقول إنها لا تستطيع الحديث مع شخص لا ترى وجهه!
اعتقد أن الهدف من إدراج هذه القصة هي رغبة الكاتب في الحديث عن خوف البشر مما يجهلونه، ربما للتعبير بشكل أدق عن خوف المدافعين عن المكتبة والكتب ـــــــــــــ في نسختها الورقية ـــــــــــ من التطور المضطرد لتقنيات القراءة الإلكترونية.
وأنا لا أعترض على هذا الخوف أو أقلل من شأنه، لكنني سأنضم لمانجويل في رأيه حول محتوى الإنترنت «بوصفه مكتبة إلكترونية»، الذي ومهما بدا ملوناً وجذابا وبلا حدود إلا أنه يفتقر للدقة والعمق في أحيان كثيرة.
لذلك فالقارئ الأصيل سيجد في المكتبة ملاذاً، سينظر إليها بصفتها كياناً أكبر من رفوف محدودة بمساحات الزمان والمكان.
إنها غابة أبديّة من حبر وورق!