للمحاسبة والتطوير.. الأمانات تحتاج إلى تغيير
عادت السيول وقصمت ظهر جدة وطفلة صغيرة ضاعت كغثاء السيل. عادت سيول جدة ولما تكمل عاما لتؤكد أن المشكلة أكبر وأعمق من مجرد محاسبة مسؤول سابق أو شركة مفلسة متعثرة، عادت سيول جدة لتضعنا أمام إحباط صعوبة فك رموز الألغاز وعلامات الاستفهام الكبرى. من يحاول تبسيط الأمور في كارثة جدة، ويختصر المشكلة في بيروقراطية العمل وضعف الشركات المنفذة، فهو لم يعِ القضية بعد أو لم يقدرها حق قدرها. فلم تكن كارثة سيول جدة مجرد قشة, بل كانت ساطورا كشف خطورة الخلل الكبير في آلية عمل الأمانات والبلديات، كشف خطورة ثقافة الأمانات في كل محافظة ومدينة من مدن مملكتنا الحبيبة، كشف خطورة تمتع الأمانات والبلديات بميزانيات مستقلة مع ضعف وتهميش لوسائل الرقابة والمحاسبة رغم إيراداتها الهائلة جدا. وفي هذا لن نتحدث عن مخصصات الدولة للمشاريع البلدية, بل عن إيرادات الأمانات وحدها من التراخيص والامتيازات واللوحات الإعلانية والغرامات التي أثقلت كاهل الناس على كل شبر زاد أو نقص من مبنى في أرض المواطن نفسه، على كل محل تجاري ولوحته. على تحالف الأمانات مع الكهرباء والمكاتب الهندسية لنبش المخالفات. على مطاردة كل شاب يرغب في ستر بطالته بسيارة فيها ''حزمتا نعناع'' وبعض ''علب التمر''.
قبل سنوات اتخذت الدولة توجهات رائعة نحو تكوين المجالس البلدية المنتخبة أملا في أن ترتقي ثقافة الأمانات لتعكس رغبات المواطنين في مدينتهم، وتنقل شكواهم إلى المسؤولين وتقدم نموذجا من الرقابة الشعبية الراقية، لكن الحال بقيت كما هي فلم تستطع المجالس البلدية أن تؤثر في قرارات الأمانات، ولا أن تنقل هموم الشارع إلى الأمين، فها هي جدة تغرق مرة أخرى، بينما يفشل المجلس البلدي مع الأمانة في نقل مخاوف الناس إلى صناع القرار. ذلك أنه رغم تشكيل المجالس البلدية بقيت ثقافة العمل داخل الأمانة وطريقة اتخاذ القرار والمحاسبة والمسؤولية كما هي بلا تغيرات مفيدة, فالأمين قادر على اتخاذ القرار الذي يريد دون الرجوع للمجالس، كما دخلت المجالس في مشكلات تمويلية بسبب عدم استقلاليتها عن الأمين، أضف إلى ذلك ـــ وهو الأخطر ـــ أن الأمين هو نفسه رئيس المجلس في بعض المناطق, وهذا يخالف أبسط قواعد العمل الرقابي الحديث الذي تلخصه نظم الحوكمة الحديثة.
للحل لا بد من إعادة هيكلة كل الأمانات، لا بد أن يصبح دور الأمين مجرد تنفيذي ـــ لا قرارات له ـــ يتبع مجلسا أعلى ذا تمثيل واسع من أصحاب الشأن والمشورة في كل منطقة ولا مشاحة ـــ عندي على الأقل ـــ في كيفية اختيارهم وتعيينهم المهم هو رفع وصاية الأمانة وتحديد قدرات الأمين، لا بد من نقل كل تجربة الرقابة في الشركات إلى الأمانات، ومن ذلك تطوير الإفصاح ونشر تقارير مالية، كما يجب تطوير أنظمة متقدمة للرقابة الداخلية، وتعيين مراجع حسابات بالاشتراك مع ديوان المراقبة العامة وتشكيل لجان مستقلة للمراجعة ولجان للمكافآت، ووحدات للمراجعة الداخلية. يجب أن تكون لدى المجلس الأعلى للأمانة خطة استراتيجية واضحة ومعلنة ورؤية ورسالة معتمدة وبرنامج لضبط ومراقبة الجودة، يجب أن يخضع تعيين الأمين لإجراءات صارمة. يجب تطوير وسائل للتظلم من أعمال موظفي البلدية وتطوير وسائل للإعلام عن أي قرارات جديدة معتمدة من مجلس الأمانة، وأن يستطيع المواطن العادي الوصول إلى تلك القرارات, كما يجب أن تصان الكرامات، وأن يتم تطوير وسائل للتظلم (كلجنة لفض المنازعات) لضمان عدم استغلال الموظفين السلطات الممنوحة لهم.
وإذا كانت هذه الإجراءات الرقابية والتنظيمية ضرورية من جانب، فإن فتح باب للحوار مع المواطنين أمر في غاية الأهمية من جانب آخر. أعتقد أنه يجب أن يقوم مركز الحوار الوطني مع المجالس البلدية بدور مهم وضروري في هذه المرحلة من خلال تنظيم مهرجانات للحوار بين المسؤولين في كل أمانة وبلدية وبين المواطنين. يجب أن يكون صوت الناس واضحا، وهمومهم مفهومة بشكل لا لبس فيه. كما أن نجاح هذه التجربة مع الأمانات قد يقود إلى تعميمها على باقي المؤسسات بحيث يتم تنظيم ''مهرجان للحوار الوطني'' بين المؤسسات الحكومية من جهة وبين المواطنين من جهة أخرى. ذلك أن معاناة الناس ومخاوفهم يجب أن يتفهمها المسؤول ـــ متخذ القرار ـــ بنفسه، وليس من خلال آلاف الوسائط التي تشوه النقل وتخلط المفاهيم وتحكمها المصالح الفردية.