الدروس الـ 10 التي استقيتها من أحداث مصر
مصر اليوم على شفا تغيير كبير سيكون له أبعاد كبيرة على مستوى الشرق الأوسط والعالم. مصر لن تعود إلى الوراء. مصر علمتنا دروسا وعبرا كنا في أمس الحاجة إليها، نحن المتشبعين بالثقافة العربية والإسلامية ومعنا وبدرجة أكبر العرب والمسلمون في أرجاء المعمورة.
أسرد أدناه الدروس التي تعلمتها من الشباب الثائر في مصر، أم الدنيا. وأدعو قرائي الكرام إلى إشباعها نقاشا. هذه الدروس ذاتية، أسردها كما أراها, نقدها سلبا أو إيجابا أمر مرحب به, وإضافة دروس أخرى غير التي ترد في هذه الرسالة أمر محبب أيضا لأننا لا نستطيع أن نقرأ الأحداث من وجهة نظر واحدة. ولكننا لا نستطيع القول إن ما يدور في مصر لا يعنينا. لمصر في العصر الحديث دور مؤثر للغاية في تكويننا الثقافي ونظرتنا إلى العروبة والإسلام. وهاكم العبر والدروس التي تعلمتها من انتفاضة الشباب في مصر حتى الآن:
أولا: أظهر الشباب أنهم أكثر التصاقا بدينهم مما كنا نتصور. الشباب قد قرأوا الدين - القرآن - وأستو عبوه وفهموه بطريقة فاقت بنظري ما يأتينا به الوعاظ والدعاة من مفاهيم جلها يتماشى مع متطلبات نظم ظالمة وضعت عاقبتها في يد الغرب وإسرائيل بدلا من الاستجابة لمتطلبات شعبها وقضايا الأمة الأساسية.
ثانيا: أظهر الشباب أنهم ملتزمون بدينهم ومن كل الصور التي بثت عن الانتفاضة في مصر لم تؤثر في مشاهد مثل ملايين الشباب في ساحة التحرير وهم يؤدون الصلاة سوية خاشعين.
ثالثا: أظهر الشباب أن إسلامهم يختلف كليا عن ما أشاعه الغرب المسيحي المنافق وربيبته إسرائيل الظالمة عن المسلمين وحركاتهم الإسلامية. منظر المسيحيين الأقباط وهم يقيمون القداس في ساحة التحرير ويقوم المسلمون بحراستهم دليل قاطع على أن الإسلام دين التعايش والمحبة والحوار وقبول الآخر. المأساة هي كيف سمح النظام لنفسه إشاعة فكرة أنه لولاه لذبح المسلمون المسيحيين الأقباط. والغرب المسيحي اشترى هذا الافتراء وبنى عليه.
رابعا: أظهرت الصور في ساحة التحرير ليس فقط نفاق وخسة الغرب بل نفاق كنائسه في دعوتها لحماية المسيحيين في الشرق العربي مما يسمونه "الإسلام العنيف والمتطرف". كيف يجوز أن نقول إن الإسلام "عنيف" والمصريين المسيحيين يرفعون صلبانهم جنبا إلى جنبا مع الهلال في طلب الحرية والمساواة.
خامسا: أظهرت هذه الانتفاضة أن الذي يحمي مسيحيي الشرق هم العرب المسلمون وأن الذي يهدد وجودهم هو الغرب وكنائسه. فالأقباط اليوم وكنيستهم المرقسية القديمة مهددة من قبل المبشرين المسيحيين الغربيين. لو منحت الفرصة لبعض الكنائس الغربية لقامت بتنصير الأقباط من جديد, وإلا لماذا ترفض هذه الكنائس مساواة الأقباط لاهوتيا وإيمانيا ودينيا بهم ومنح رئيس كنيستهم ذات المكانة اللاهوتية التي لدى رؤساء كنائسهم؟
سادسا: ودفاع الكنائس الغربية عن المسيحيين في الشرق العربي يشوبه النفاق والخسة والرياء. هل تستطيع هذه الكنائس الدفاع عن المسيحيين الفلسطينيين؟ ألا تعلم هذه الكنائس أن نحو40 في المائة من سكان فلسطين كانوا مسيحيين؟ ماذا حل بهم وأين استقر بهم المقام؟ هل تستطيع هذه الكنائس إدانة إسرائيل والطلب منها حماية المسيحيين الفلسطينيين وإعادة بيوتهم وبساتينهم وقراهم وكنائسهم إليهم؟ هل تستطيع هذه الكنائس القول أن لا حقوق توراتية لليهود في أرض فلسطين؟هذه حقيقة, ولكن لا يستطيع أي رجل دين غربي مسيحي مهما علا شأنه أو مقامه حتى التفوه بها. عندما قالها أحد الأساقفة العرب في اجتماع كنسي تنصل الفاتيكان عن أقوالها.
سابعا: أظهرت هذه الانتفاضة البون الشاسع بين المؤمنين، مسيحيين أو مسلمين، وبين رجال دينهم. وأظهرت بكل جلاء أن مناقشة مستقبل المسيحيين يتم في ساحة التحرير في القاهرة وبيروت ودمشق وليس في روما أو أي مكان آخر في العالم. وأظهرت أيضا أن كثيرا من المسيحيين الشرقيين قد سئموا مواقف رجال دينهم التي تضع كل بيضها في سلة الغرب وكنائسه.
ثامنا: علمتنا هذه الانتفاضة أنه علينا جميعا - نظما وأفرادا - أن نتغير وأن نستجيب لنداء الشباب العربي والمسلم. العبرة هي إن لم نستجب سيديننا التاريخ وقد يحل بنا ما حل بالنظام في مصر. المسألة ليست الفقر والجوع كما يعتقد البعض. الإسلام يعلم الإنسان الصبر ويحثه على قبول ما يحل به من مصائب ولكن يمنعه من قبول الظلم لا بل يحثه على الجهاد ضد الظالمين. والظالمون من إسرائيل والدول الغربية المدافعة عنها ونظمها قد جاوزوا المدى.
تاسعا: الدرس البليغ الذي تعلمناه من مصر يقول إن الغرب يتحول إلى قصبة مرضوضة تجرح من يتكئ عليها وإن كان الشخص أو النظام من أكثر المطيعين له. وهذا الأمر يحدث متى ما شعر الغرب أن مريديه من الحكام والنظم صاروا عبئا عليه.
عاشرا: علمتنا هذه الانتفاضة أننا في واد والنظم العربية والغربية في واد آخر. وهكذا يقف الغرب حائرا أمام الزخم الجماهيري الهائل الذي يطالب بالتغير. وعلمتنا أيضا أن وراء الأكمة ما وراءها. إن انتهت هذه الأحداث على خير وحقق المتظاهرون مطالبهم كاملة سنصعق جميعا مما سنكتشفه من أسرار مرعبة ومريرة في حقبة العقود الثلاثة الماضية.
وإلى اللقاء