سياسات السوق والفساد تقود العالم إلى عدم الاستقرار
تعصف بعدد من الدول العربية موجة من الغضب الشعبي بسبب الأوضاع الاقتصادية وعجز الأنظمة الحاكمة على التصدي للصعوبات الاقتصادية التي تواجهها المجتمعات. ويتناقض شعور كثير من الأفراد والأسر بتدني دخولهم وازدياد صعوبات تلبية متطلبات الحياة الأساسية مع ادعاءات كثير من الدول بتحقيق معدلات نمو اقتصادي جيد على فترات طويلة من الزمن. ويعاني كثير من الأسر من بطالة عائلها الرئيس؛ وهو ما يجعلها في أوضاع مالية صعبة وعاجزة حتى عن تأمين المتطلبات الأساسية كالسكن الصحي والغذاء الكافي والدواء الضروري. وتنخفض دخول نسبة أكبر من الأسر والعائلات وتتآكل بسبب ازدياد تركز الثروة والدخل في نسب متدنية من السكان، كما يفاقم التضخم والجشع والاحتكار والفساد من الدخول المتدنية لمعظم الشرائح السكانية. وتتعاظم معاناة الفقراء، وخصوصا العاطلين عن العمل؛ لغياب شبكات الحماية الاجتماعية، وتدمير البيئة، ومع استمرار هذه الظروف لفترات طويلة ينفد صبر كثير من السكان ويبدأ عدد متزايد من الأفراد بالشعور بالامتعاض، الذي يتزايد حتى وصول مرحلة القهر الاقتصادي.
وقد قاد التسليم بصحة كثير من النظريات الاقتصادية في الثمانينيات وتوصية عدد من المؤسسات الدولية المتخصصة بتبني سياسات التشدد المالي وإطلاق الحرية للأسواق دون ضوابط تذكر إلى استخدام عدد كبير من الدول النامية لهذه السياسات وتطبيقها. وكان من ضمن هذه الدول معظم الدول العربية والتي استمرت في تطبيقها إلى الوقت الحالي دون الالتفات لمدى تناسبها مع الظروف المحلية وإجراء التعديلات الملائمة عليها. وقد أدى تبني سياسات إطلاق العنان للأسواق وتطبيقها من قبل صناع القرارات إلى تدني مستويات الخدمات الحكومية، وإلغاء الكثير منها، وازدياد الصعوبات المالية والاقتصادية التي تعانيها الطبقات العاملة. وفي المقابل، ازدادت الإعفاءات والدعم الممنوح لقطاعات الأعمال وخففت القيود على الأعمال وأهدرت الملكيات العامة مما ضخم من ثروات نسبة قليلة من السكان. وقد أثبتت تجارب دول العالم فشل سياسات اقتصاد السوق الذريع في التصدي للمعضلات الاجتماعية والاقتصادية، بل ورفعها من مستويات سوء توزيع الثروة والدخل، ونشر الفساد، والمضاربة، ورفع مستويات البطالة، وخفض الأجور، ورفع قيم الواردات ومعدلات التضخم.
وأثبتت تجارب عدد من دول العالم خلال السنوات الماضية أيضا، أن سياسات حرية الأسواق غير المنضبطة والمتكيفة مع العدالة الاجتماعية فشلت في تأمين الاستقرار الاقتصادي وضمان السلام الاجتماعي؛ مما قاد إلى زعزعة الاستقرار في كثير من هذه الدول. فترك الأسواق تعمل وحدها وبقيود وتشريعات تنظيمية محدودة وتفضيلية لقطاع الأعمال يولد معضلات وآثارا جانبية جمة. ولضمان الاستقرار المحلي والسلام الاجتماعي، يجب تقييد حرية الأسواق ووضع التشريعات التي تحد من الآثار الجانبية المرعبة لحرية الأسواق المنفلتة وضرورة حفظ الملكيات العامة وتدخل الدولة للحد من سوء توزيع الثروة والدخل، والفساد، والبطالة، والتضخم، والمضاربة، والاحتكار، وحماية البيئة والصحة العامة، وتقديم الخدمات العامة المناسبة، وتبني شبكات الحماية الاجتماعية التي تخفف من فشل الأسواق وتدعم السلم الاجتماعي. ومع مرور الوقت سيقود قصور الدولة في التصدي لهذه الظواهر السيئة إلى شيوع ظاهرة الإحساس بالتعرض للظلم، الذي يقود في حالة استمراره إلى تمرد وثورة الشرائح السكانية التي تعاني منه وخصوصا الشباب. وترتفع بين الشباب البطالة وتنخفض الدخول وتقل الملكية، على الرغم من ارتفاع مستويات التعليم بينهم؛ مما سأهم بتأجيج غضبهم ودفعهم لتحدي السلطات والمجتمعات.
وقد أدى تبني بعض سياسات السوق غير المنضبطة إلى الأزمة المالية العالمية الأخيرة، التي كادت تطيح بالاقتصاد العالمي في أتون كساد اقتصادي عميق هدد استقرار العالم. وقد أسهم نشوب الأزمة المالية العالمية في تراجع النمو الاقتصادي في أنحاء العالم كافة؛ مما فاقم من الأزمات المالية التي تعانيها الحكومات وخفض مستويات معيشة العمالة في معظم دول العالم. وقادت الأزمة المالية العالمية إلى استنزاف الموارد الحكومية في كثير من الدول، بل وتحميل الميزانيات في هذه الدول ديونا ضخمة لإنقاذ ملاك رؤوس الأموال الرئيسين. ويستشري في كثير من دول العالم الفساد بين المتنفذين في القطاع الحكومي، الذين يشكلون مع الأقلية المتحكمة في رؤوس الأموال أولجاركي مسيطر على معظم ثروة ودخل المجتمعات. وأدى التزاوج بين السلطة ورأس المال إلى انتشار الفساد والاحتكار ووضع أنظمة متحيزة لمصلحة ملاك رأس المال ومسببة خسائر فادحة للمعتمدين على الأجور تركزت في البطالة وانخفاض الأجور والمنافع. وقادت هذه الخسائر إلى تآكل دخول وثروات العمالة في دول العالم، الذي تزامن مع انخفاض حجم الخدمات والدعم الحكومي لمعظم السكان؛ مما رفع مستويات سخط الشرائح السكانية العاملة. وفي المقابل استمر عدد محدود من ملاك رأس المال وبعض المتنفذين الحكوميين في تضخيم ثرواتهم، حتى بعد تبديد الكثير منهم ثروات دولهم في الإنفاق العبثي والمضاربات غير المنتجة. وقد تولد عن ارتفاع الفجوة الاقتصادية بين الشرائح الاجتماعية توترات سياسية واجتماعية تهدد استقرار دول كثيرة من دول العالم. ولجأ العديد من الدول للتصدي لهذه التوترات بالحلول الأمنية فقط؛ مما فاقم الغضب الشعبي وقاد إلى تحرك الشارع على نطاق واسع.