جدة تغرق.. والتحقيقات يجب أن تبدأ مع ديوان المراقبة العامة!
معروف في خطط التنمية بأن لكل مشروع وقت يجب أن ينفذ فيه، ولكل مشروع تكلفة يجب أن تقدرها الخطة، بمعنى أن (الوقت والمال) شرطان أساسيان لأي مشروع في خطط التنمية.
ولأهمية الوقت، فإن خطط التنمية تجمّلُ عنوانها بالزمن، فتسمي نفسها بأنها خطط التنمية ''الخمسية'' بمعنى أنها خطط المشاريع أو المراحل التي يجب أن تنتهي خلال السنوات الخمس.
ما أقصده من هذا الكلام هو أن أي مشروع تنموي لا يقر ولا يعتمد ولا ترصد له الأموال إلاّ بعد أن يستكمل شروطه، وأهم الشروط ـــ كما ذكرناـــ تحديد الوقت الذي سيستغرقه تنفيذ المشروع، وتحديد المال اللازم للتنفيذ حتى ُيكتمل، ويدخل في مرحلة التشغيل الكامل.
وبالنسبة لمشاريع البنى التحتية في مدينة جدة البائسة، فإنها بدأت منذ 60 عاماً، ولم تنته ـــ للأسف الشديد ـــ حتى الآن، أي أنها ضربت بالزمن عرض الحائط، فالمشاريع تقر وتعتمد والدولة ترصد لها الأموال اللازمة، ولكن المشاريع لم ولن تنته، وعبر 60 عاماً خلت نلاحظ أن مشاريع البنى التحتية في مدينة جدة البائسة تدور مرة أخرى وثانية وثالثة، وترسى على شركات أخرى وثانية وثالثة ورابعة، ومع كل ذلك لا تنتهي المشاريع، ولا تقترب من مرحلة التشغيل الفعلي، بل والأخطر إنه من غير المعروف متى تنتهي هذه المشاريع التي استنفذت مليارات الريالات دون أن نرى لها أثراً في حياتنا.
طبعاً هذا أمر محير، فالخطط تصمم والمشاريع تقر والأموال ترصد، وفي الواقع لا نجد هذه المشاريع، ولذلك فإن الناس عانوا ويعانون في هذه المدينة البائسة غياب مشاريع البنى التحتية.
في الأيام القليلة الماضية هطلت أمطار غزيرة على جدة، ولأن مشاريع تصريف مياه الأمطار والسيول ومشاريع الصرف الصحي بدأت منذ أكثر من 60 عاماً ولم تنته، فإن المدينة الناعسة البائسة غرقت في شبر ''مويه''، وتعرض ناسها وأهلها لأضرار جسيمة، والمشهد في جدة بعد هطول الأمطار الذي صورته كاميرات التلفزيون والصحافة يصور جدة، وكأنها خرجت لتوها من حالة حرب ـــ لا سمح الله ـــ وتبدو، فالشوارع غرقى والمركبات في قبضة مياه الأمطار، والناس يموجون في المياه، وشركة الكهرباء لا تقوى على إصلاح التيار والأنفاق تحولت إلى مسابح في الهواء الطلق.
وهذا المشهد المفزع ليس الأول، فقبل عام ونصف تعرض شرق جدة للسيول والأمطار وراح ضحية السيول أكثر من 130 مواطناً بريئاً، ويومها صدرت الأوامر بالتحقيق لمعرفة المتسببين في الكارثة لإنزال أشد العقوبات بهم، ولم يكشف النقاب عن المتسببين حتى الآن، وتاهت القضية الفادحة في قنوات البيروقراطية المقيتة حتى تلاشت واختفت وتركت في نفوسنا غصة وذكرى أليمة وموجعة.
والمشهد اليوم يتكرر، وجدة تغرق في الأوحال بسبب غياب مشاريع البنى التحتية، وبالذات مشروع تصريف مياه السيول والأمطار ومشروع الصرف الصحي الذي لا يستغرق في الدول المتقدمة أكثر من عشر سنوات على أكبر تقدير.
والسؤال المهم: من المسؤول عن عدم تنفيذ مشاريع البنى التحتية لهذه المدينة البائسة؟!
إذا كان الجواب هو أن وزارة الشؤون البلدية والقروية ووزارة المياه والكهرباء هما المسؤولان، فإنني أقول إن الرقابة الإدارية والمالية هي المسؤولة في الدرجة الأولى عن متابعة مشاريع البنى التحتية، أين الرقابة الإدارية من مشاريع صرفت الدولة عليها أموالاً بالمليارات واستغرقت 60 خريفاً مضت وانقضت دون فائدة ترتجى.
إن عمل الرقابة يبدأ منذ أن يرسى المشروع على المقاولين، ووظيفة الرقابة أن تتابع على أرض الواقع تنفيذ مشاريع الدولة وترصد أولاً بأول مراحل التنفيذ، ويجب على الرقابة ألا تترك مشاريع الدولة ضحية للذمم الضعيفة، بل واجبها أن تراقب وتتابع تواصل التنفيذ بشكل لا ينقطع ولا يتوقف، وإذا رأت مخالفات أو تقاعساً أو تململاً، فإن واجب الرقابة أن تنبه أثناء التنفيذ، ثم تحذر وتتوعد وتوصي بالعقوبات الرادعة لكل متقاعس أو متهاون، ثم ترفع تقاريرها إلى ولي الأمر، وتقترح اتخاذ الإجراءات اللازمة والرادعة لإعادة هندسة المشاريع حتى تأخذ طريقها إلى التنفيذ، ومن ثم التشغيل، وعندئذ تخلي الرقابة مسؤوليتها.
وإذا قامت الرقابة بوظيفة المراقبة والمتابعة على أكمل وجه، فإن مشاريع البنى التحتية في جدة وفي غيرها من مدننا السعودية ستأخذ طريقها إلى التنفيذ، وترى النور، وتعين الناس على أن ينعموا بفوائد وخيرات المشاريع التنموية العملاقة.
أمَا وإن مشاريع البنى التحتية في جدة تستغرق 60 عاماً، ولا ترى النور، ولا نعرف متى ترى النور، فإن الرقابة، وأخص بالذات ديوان المراقبة العامة هو المسؤول، لأنه كان يرى هذا المشهد القميء ويغط في نوم عميق ولا يحرك ساكناً.
وهذا النوم وهذا السكون أدى إلى هذا التقاعس الكبير في تعريض مشاريع الدولة للإهمال، وتعريض الناس لمآسي غياب مشاريع مهمة جداً في حياتهم كمشروع الصرف الصحي، ومشروع تصريف مياه الأمطار والسيول.
إن المساءلة في مأساة جدة في هذه المرة يجب أن تبدأ مع ديوان المراقبة العامة، أين كان الديوان من مشاريع الصرف الصحي، ومشاريع تصريف السيول والأمطار، ما هي الإجراءات التي اتخذها، وكيف تصرف حيال الإهمال، لماذا غاب ديوان المراقبة 60 عاماً وساب مدينة جدة تغرق.. تغرق.. تغرق؟!!