غابة الحبر والورق «1 من 2»
الكاتب الأرجنتيني البرتو مانغويل، محب للكتب من نوع استثنائي، أمضى سنوات عمره في البحث والحديث والكتابة عن الكتب والمكتبات بشغف غير مسبوق.
لعلّ الكثير منكم يعرفه من كتابه «تاريخ القراءة» الذي حقق مبيعات كبيرة والذي ما إن تطبع نسخه الجديدة حتى ينفد من المكتبات مجدداً، هكذا هي الكتب المميزة التي تمنح القارئ فرصة ليرى نفسه ويحتفي بهوايته القريبة من قلبه كما يجب.
في كتابه The Library at Night أو المكتبة مساء يتحدث مانغويل عن الكون الذي يحتضن شغفه الأوحد، يتحدث عن المكتبة.
قُسّمت الفصول في الكتاب إلى رؤى مختلفة، هو ينظر للمكتبة من زوايا أخرى لا تقتصر على الرفوف المتراصة.
إنه يرى المكتبة كأسطورة ونظام ومساحة وقوة وظل، الحديث عن شكلها والفرص التي تمنحها ثم تحويلها إلى ورشة عمل وعقل قائم بذاته. إنه يرى المكتبة كهوية ومنزل ومستقر.
في تقديمه يكتب عبارة جميلة ربّما يجدر بكل المكتبات تعليقها كاقتباس جميل، يقول مانغويل: إنّ حبّ المكتبة مثل كل أنواع الحبّ، ينبغي أن يُتعلّم.
سأحاول في هذه المقالة وفي الجزء الثاني منها إلقاء الضوء على محتوى هذا الكتاب وتفاصيله الساحرة.
شرارة البدء في المكتبة مساء وحسبما يقصّ البرتو علينا ولدت مع عزمه على بناء مكتبته الحلم بعد أن سافرت كتبه معه حول العالم، تنطلق من الأرجنتين إلى كندا وتستقر في حظيرة من القرن الخامس عشر في جنوب فرنسا!
في مدينة لوار الفرنسية يشتري منزله ويشتري حظيرة بنيت من الحجر وتعاقب عليها الساكنون عبر السنين، ثمّ يخطط لمكتبته متخيلاً الخشب المصقول ورائحته التي تزكم الأنوف - سعادة طبعا - ومساقط الضوء التي تتبع كتبه المفضلة.
يقول إنه كان يستمع ليلاً بكتبه في الصناديق، حماسها لتنتقل لمسكنها الجديد، ويعلق: أن الكتب تملك قدراً خاصاً منذ اللحظة التي تشتريها وحتى تسكن الرفّ.
لديه مجموعة كتب اقتناها في خمسينيات القرن الماضي من بوينس آيرس، وتستقر اليوم في جنوب فرنسا.
في الفصل الثاني من الكتاب يتطرق مانغويل لرؤية المكتبة كمساحة وفيه يحدثنا عن تجربة حياته مع الكتب، لم يستطع بتحديد دقيق معرفة متى بدأ كلّ ذلك، لكنه لا يتذكر مرحلة من مراحل طفولته لم يكن فيها محاطاً بمكتبة تخصه.
وطور خلال ذلك أساليبه الطفولية والاحترافية في تصنيفها وترتيبها، وفي ذلك يمتدح المكتبات الخاصة مثنياً على التفرد الذي تتميز به عن المكتبات العامة والتجارية، فيها يمكنك وضع صورة منعكسة من عقلك.
صورة لكيفية تنظيم المعارف والحقائق والأولويات في العقل وارتباطها ينعكس على الرفّ في طريقة ربطك الكتب ببعضها وشرائها بالدرجة الأولى.
في فصل المكتبة «كمساحة» يعبر الكاتب عن فوبيا تخصه متعلقة بانعدام الفراغات المتاحة له لملئها، أين تذهب كلّ الكتب التي يقتنيها؟ وهذا يذكرني بخورخي لويس بورخيس والأسى الذي يشعر به كلما نظر لمكتبته وتذكر أن العمر قد لا يكفي لإنهائها.
أين تذهب كتب مانغويل؟ هذا الخوف الذي لازمه منذ سنّ مبكرة وتحول منزله لاحقاً إلى مكتبة بلا حدّ، كان قد حول كل مساحة خالية في منزله بتورنتو الكندية إلى رفّ كتب ما حدا بأطفاله إلى التبرم وإلقاء النكات مثل كونهم بحاجة لبطاقات دخول المكتبة في كل مرة يعودون للمنزل.
القراء مثل مانغويل لا يعترفون برحلة تسوق أخيرة وإن طغت العوامل الفيزيائية على الرغبة الأبدية لديهم لشراء كلّ كتب الأرض.
في الفصل ذاته يستعرض قصصا من التاريخ وتجارب الأفراد مرتبطة بالكتب والمساحة بشكل خاصّ. فيها أخبار عن رجل يحبس في شقته لأيام خلف أكداس الورق ومكتبات عالمية تتخلص من أرشيفها بإحراقه تحت ضغط الانفجار السكاني (الكتابي)!
ثمّ يتطرق لفكرة تشغل بالنا اليوم، يتحدث عن الثورة التقنية والحلول التي جاءت محمولة على قرص صلب ومرن وضوئي، لكننا ومع ذلك ما زلنا تحت تهديد خسارة آلاف الصفحات بخطأ زرّ صغير.