سموم .. ولكن!
رغم أن الإنسان أرقى المخلوقات وأفضلها تكوينا وتكاملا إلا أن قطرات قليلة يفرزها كائن صغير قد تشل حركته وتقتله في دقائق، وهذه المواد القاتلة أو السامة تحيط بنا في كل مكان، فقد تكون في التربة أو الهواء أو الماء أو تفرزها بعض الحشرات والحيوانات والنباتات، لذا اجتهد الإنسان لمعرفة أسرارها ليجد لها مضادات تحفظ له حياته، وفي أثناء بحثه اكتشف الكثير من الأسرار.
فمن منا لا يعرف الزرنيخ الذي نال شهرة واسعة بسبب استخدامه في الكثير من جرائم القتل الغامضة، نظرا لما يتميز به من خصائص، كانت أولى حالة إدانة قتل بالزرنيخ سنة 1752م في حق (ماري بلاندي) التي قتلت أباها به, ومن بعدها توالت جرائم القتل، ومن أشهرها استخدامه في قتل القائد (نابليون) على أيدي حراسه، هذا هو الوجه القبيح لهذه المادة التي تعتبر مضادة للحياة (قاتلة).. ولكن ما اكتشفته الدكتورة (فيليسيا وولف سايمون) وفريقها البحثي من جامعة أريزونا في بحيرة (مونو) الغنية بالزرنيخ يعد فتحا جديدا غيّر نظرة العلماء لمكونات الحياة!
عرفنا جميعا ومنذ الصغر أن خلايانا أنا وأنت وجميع الكائنات الحية صغيرها وكبيرها تتكون من ستة عناصر (الكربون، الأكسجين، الهيدروجين، النيتروجين، الفوسفور، الكبريت) تكون الحياة وتقوم بجميع وظائف الخلية وتفاعلاتها.
ولكن في تلك البحيرة اكتشفت الدكتورة فيليسيا نوعا من أنواع البكتيريا تتغذى على الزرنيخ الموجود في البحيرة وتستخدمه في بناء خلاياها بدلا من عنصر الفوسفور.. أي أن السُّم أصبح عنصرا من عناصر الحياة، وهذا الاكتشاف فتح أمامنا الآفاق لتغيير فكرتنا عن الحياة وعناصرها عموما ليس في أنفسنا وعلى الأرض فقط، وإنما في بحثنا عن وجود حياة على كواكب أخرى (حيث اعتبر وجود أحد هذه العناصر دليلا على الحياة عليها) واليوم اختلفت الرؤية.
ليس هذا فحسب .. فهذا العنصر السام والقاتل يستخدم الآن في علاج أخطر أنواع السرطانات مثل سرطان الدم النادر المعروف باسم (إي إل بي) ولكن بجرعات قليلة جدا (طريقة الهيموباثي) أي علاج المثل بالمثل, وترتكز على نظرية أن الأعراض التي تنتج لدى الشخص السليم من جرّاء تناوله بعض المواد السامة تمكننا من استخدامها في علاج الأمراض التي لها الأعراض نفسها، فمثلا التسمّم بالزرنيخ يسبّب النزف والإسهال وحرقة المعدة، لذلك يمكن استخدامه في علاج هذه الحالات، وحقق العلاج به نسبة نجاح تصل إلى 80 في المائة، أما سرطان الثدي الغازي فتمت السيطرة عليه باستخدام تقنية النانو (تكوين جسيمات صغيرة جدا من الزرنيخ في مغلفات متناهية الصغر) فيسهل وصولها للخلية السرطانية مباشرة للقضاء عليها دون الإضرار بالخلايا السليمة، فالعلم لا يقف عند حد ومع الوقت نكتشف أكثر, قال تعالى (لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) ، آمل ألا تعتبروا هذه دعوة لتناول الزرنيخ!!