إلغاء الكفالة الخاصة مطلوب ولكن
طالبت في مقالة الأسبوع الماضي بإلغاء (ما يسمى) الكفالة الخاصة بالمؤسسات والشركات، وإلغاء منح التأشيرات مباشرة للشركات والمؤسسات، وإناطة الموضوع كله بجهة مركزية. ويجب أن تتم الخطوات ضمن عدة سياسات تقلل الطلب على توظيف الوافدين. وبينت أن الموضوع في حاجة إلى تفاصيل كثيرة وحسن تطبيق، ومن ذلك أنه يجب وجوبا مؤكدا تحديد العدد الكلي من التأشيرات الصادرة سنويا، وأن تحدد مدة الإقامة في التأشيرة عند منحها في السفارات السعودية، ويستثنى من ذلك حالات تعطى فيها تأشيرات مفتوحة. ولا تمدد التأشيرات المحددة إلا وفق مبررات وتنظيمات ولوائح مفصلة.
العيب الجوهري في الوضع الحالي أو ما يسمى نظام الكفالة أنه يلغي آلية سوق العمل، فهو مثل النظم الاشتراكية التي حاولت أن تلغي آلية السوق ففشلت وأضرت بازدهار الاقتصاد. نحن نخضع سوق العمل لما يشبه النظام الاشتراكي، ولذلك فالوضع يزداد سوءا مع الوقت. أي حل لمعالجة السعودة والبطالة لا يقوم على احترام آلية العرض والطلب في سوق العمل، كآلية أي سوق، فإنه حل لن ينجح (على المدى البعيد خاصة)، ويضر بالنمو الاقتصادي.
آلية السوق (أعني أي سوق) لا تعني أنها تنجح هكذا، بمجرد وجودها، إذ لا بد من تنظيمات تحمي أطراف السوق وحقوقهم، وتمنع الممارسات غير المشروعة...إلخ. بمعنى آخر: سوء تطبيق آلية السوق لا يعني رفض الأخذ بآلية السوق. أما الخلط بينهما فيدل إما على جهل أو سوء فهم أو هوى ومصلحة من استمرار الخلط. وهذا ما وقع من بعض الإخوة المعلقين على مقال الأسبوع الماضي.
مؤكد أن سياسة إلغاء الكفالة الخاصة تتطلب حسن تطبيق، ومراجعة ومعالجة واسعة وعميقة لكل الآثار المحتملة من التطبيق، وإلا سيكون مصيرها الفشل. وليس من الصحيح الاستنباط بأن احتمال سوء التطبيق يعني بالضرورة فشل السياسة في أصلها. على سبيل المثال، بمناسبة الاختبارات هذه الأيام، لا يصلح أن يقال إن الاختبارات سياسة فاشلة، طالما أن هناك سوء تطبيق. مثال آخر، نحن نعرف أنه مرت سنوات كنا نصدر فيها القمح بسبب سياسة دعم سخية، وهي سياسة كانت خاطئة بالاتفاق. المطالبة بسياسة بديلة تقوم على تعديل أو خفض أو إزالة الدعم لا يعني بالضرورة حسن التطبيق. وبالمقابل، سوء التطبيق لا يعني خطأ السياسة البديلة من أصلها.
المطلوب رفع تكلفة التأشيرات، وإلغاء الكفالة الخاصة للشركات والمؤسسات وإيقاف طريقة منح التأشيرات للشركات والمؤسسات مباشرة. وبالمناسبة، ليس هناك نظام رسمي اسمه نظام الكفيل ولكنها تسمية عرفية، فهمت (كما أرى) من نظام الإقامة.
لا شك أن نظام الإقامة يفرض تبعات وواجبات وقيودا على الوافد، تجعل توظيفه مغريا أكثر من توظيف السعودي إذا تساوت الكفاءة والقدرة عند التوظيف. ولولا ذلك لما رأينا قوة الطلب على الاستقدام. وهناك مشكلات بالغة الضرر على الاقتصاد صاحبت سياسة منح التأشيرات بصورة فردية للشركات والمؤسسات.
ولكن.
وأكرر، ولكن يجب أن يكون مفهوما جيدا أن الإلغاء وحده لا يضمن حسن التطبيق.
من جهة أخرى، كان موضوع الأمن من أقوى الاعتراضات التي قرأتها أو سمعتها على مقترح إلغاء الكفالة الخاصة. ولكني أرى أن المسألة لا تعدو أن تكون وهما، فقد تعودنا نمط علاقة استقدام تشكل من خلالها فهمنا للأمن، وكأنه لا يتحقق إلا من خلال تلك العلاقة. هناك طرق وأفكار عديدة خلاف الكفالة لضبط الأمن وضبط عناوين وتنقلات الوافدين.
لا شك أن التغيير يجلب تخوفا ورهبة. ونعرف عبر التاريخ، أنه جرت محاولات تغيير سياسات وأساليب وطرائق حياة وممارسات شائعة في كل المجتمعات. لا تنسوا، مثلا، إلغاء الرق، تعليم البنات، إعطاء يوم (أو أكثر) إجازة أسبوعية، منح العاملين إجازات مدفوعة الأجر،... إلخ. هذه المحاولات أثير حولها لغط كثير، وقيل عنها إنها تجلب ضرر كذا وكذا. نجحت المحاولات وحدث التغيير، وتبين أن ما زعم من أضرار كان مجرد أوهام أو أنها ضخمت تضخيما، بل تبين أن العكس في الغالب هو الصحيح: المنفعة فاقت المضرة.
الدعوة إلى إلغاء نظام الكفالة الخاصة تهدف إلى تقليص مشكلات عديدة جلبها نظام وأسلوب الإقامة والكفالة والاستقدام الحالي. والمقام ليس مقام تفصيل لهذه المشكلات. ولكن يكفي أن أشير بكلمات قليلة إلى عدة منها: جلب عمالة متدنية المهارة ــــ انخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي بسبب تدني إنتاجية معظم الوافدين (الإنتاجية لا نقيسها فقط بعدد ساعات العمل، بل بجودته أيضا) ــــ استشراء الكسل والاعتماد على الغير ـــ السهر وإغلاق المحال إلى ساعة متأخرة من الليل ــــ انتشار ممارسات التستر والتوسع في الاستقدام والتكسب الريعي ـــ تعذر أو شبه تعذر تطبيق نظام مكافحة التستر.
وبالله التوفيق،،،