إدارة المدن بالتجزئة .. كارثة جدة
ما يحدث في جدة من فيضانات وخسارة في الأرواح والممتلكات غير مقبول وغير منطقي على الأقل في مقابل المليارات التي صرفت في توفير البنى التحتية والفوقية خلال العقود الأربعة الماضية أو يزيد. وأتعمد استخدام كلمة توفير وليس تخطيط أو تطوير، فتخطيط المدن يتطلب رؤية مستقبلية بعيدة المدى، ومنهجا واضحا متفقا عليه من المسؤولين المحليين وتأييدا من سكان المدينة, وموارد تصرف حسب أولويات الخطة المحلية وأهدافها وإدارة استخدامات الأراضي بكفاءة وفاعلية. لكن كيف السبيل إلى إدارة وتخطيط المدن السعودية في ظل غياب إدارة المدن بمفهومها الشامل وعدم وجود نظام للإدارة المحلية يحدد نطاق المسؤولية الإدارية والمالية والمكانية، ويمنح استقلالية القرار لسلطة محلية منتخبة. في دولة عظيمة وكبيرة مترامية الأطراف كالسعودية، تحوي مراكز حضارية متعددة وكثافة سكانية عالية، ما زال ينظر إلى المدن على أنها مستقرات عمرانية وليس كوحدات إدارية/ سياسية يفترض أن تدار من قبل هيئة محلية منتخبة، تكون مسؤولة عن رعاية مصالح سكان المدينة داخل نطاق جغرافي محدد وموثق قانونا. وبالتالي يمكن القول إنه ليست هناك إدارة مدن من الناحية الفنية والتنظيمية والمسؤولية الشاملة. واقع الإدارة المحلية السعودية يمكن وصفه بمركزية القرار محلية التنفيذ, وهذا يعني أن الإدارات المحلية تختزل بفروع للأجهزة المركزية تقوم بتنفيذ ما يطلب منها مركزيا دون أن يكون لسكان المدينة حق المشاركة في صناعة القرارات التي تهمهم. وتأكيدا على غياب مفهوم إدارة المدن في السعودية من منظور شامل عدم وجود إدارة محلية لعواصم المناطق، فعواصم المناطق لا يوجد فيها محافظون مسؤولون عن إدارتها. الوضع الإداري المحلي أقل ما يقال عنه إنه وضع غير محدد المعالم تختلط فيه الأدوار والمسؤوليات بين أجهزة المستويات الإدارية الوطنية والإقليمية والمحلية دون تمييز بين ما يفترض أن يتناول على المستوى الوطني, وما هو من اختصاص المناطق وما يجب تركه للإدارت المحلية. وهكذا نجد أن بعض القضايا المحلية تدار مركزيا من الوزارات المعنية أو إقليميا من إمارات المناطق. والحقيقة أن القضايا المحلية تتطلب حلولا محلية، ولا تستطيع الأجهزة المركزية القابعة بعيدا, ولا تحتل هذه القضايا أولوية في أجندتها أن تتصدى لمعالجتها مهما أوتيت من موارد مالية ومادية.
القضايا المحلية ذات تأثيرات داخل نطاقها المكاني, وهذا ما يجعل من غير المنطقي تدخل الجهات المركزية والإقليمية في معالجتها, وكان من الأجدر تركها للسلطة المحلية الأقرب والأكثر حرصا وتخصصا في مجالها المحلي. والمنطق ذاته ينطبق على الإدارات الإقليمية في المناطق، فلكل منطقة قضاياها الخاصة التي لا تشترك معها باقي المناطق. هذه الهرمية المكانية للإدارات الوطنية والمناطقية والمحلية أمر في غاية الأهمية في تسلسل السلطة وتحديد الأدوار والمسؤوليات. ما زالت هناك ازدواجية وتداخل في الأدوار والمسؤوليات بين الأجهزة في المحافظات، وعلى مستوى المنطقة من جهة والوزارات المركزية من جهة أخرى، ما أدى إلى تعدد المرجعيات, فالإدارات المحلية (فروع الوزارات في المحافظات) تقبع من الناحية المكانية تحت سلطة إدارة المحافظة، وتتبع إداريا للوزارات في المركز! والأمر ذاته ينطبق على الأجهزة في المناطق. هذا التداخل العجيب الغريب يجعل من الصعب تحديد المسؤولية, إضافة إلى أنه يتم التعامل مع القضايا المحلية, وهي قضايا معقدة ومتشعبة ومتداخلة على أساس قطاعي, فكل قطاع يتناول المشكلة المحلية من جانب اختصاصه الفني البيروقراطي، وهذا النهج يفتقد النظرة الشمولية المتكاملة للقضايا المحلية. على سبيل المثال تقليل الازدحام المروري أو مواجهة ظاهرة الفقر في المدن أو وضع استراتيجية للمدينة يتطلب بالضرورة رؤية وخطة عمل مشتركة تحت مظلة هيئة محلية. وعلى أن مشكلة السيول مشكلة فنية, وهي أقل تعقيدا من بعض القضايا المحلية الأخرى، إلا أنها هي الأخرى تحتاج إلى إدارتها ومتابعتها من قبل السلطة المحلية لإدارة المدينة ليس من منظور بيروقراطي, لكن من خلال مجلس نيابي يمثل آراء وتوجهات السكان ويرعى مصالحهم ويهتم بأمرهم. هناك فرق كبير بين صناعة القرار واتخاذ القرار أساسه الفرق بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية, فصناعة القرار متعلقة بالتشريعات والسياسات التي توجه عمل الأجهزة التنفيذية. في المقابل تمنح الأجهزة التنفيذية مساحة لاتخاذ القرارات فيما يتعلق بطرق وسبل تحقيق توجهات المجلس المحلي. والسؤال هنا: أليس لدينا مجالس محلية وبلدية ومجالس للمناطق يفترض أن تقوم بالأدوار المذكورة آنفا؟! والجواب من الناحية الشكلية نعم، لكن من الناحية العملية التطبيقية لا! والسبب أن المجالس كيانات دون سلطات نافذة وصلاحيات إدارية ومالية، فهي منزوعة الصلاحيات والإرادة على الأقل من الناحية التنظيمية. مجلس المنطقة لا يملك إلا الرفع بالتوصيات والمقترحات والمتابعة يصل إلى حد الاستجداء لعلهم يحظون بخدمة من هذه الوزارة أو تلك. ويبدو الأمر هكذا مقلوبا, فالمفترض أن تكون السلطات التنفيذية من يأتمر بأمر السلطات التشريعية وليس العكس! المجالس المحلية هي الأخرى تعاني الأمرين, فمنوط بها مسؤوليات كبيرة, لكن دون صلاحيات إدارية ومالية تتساوى معها. والمقصود بالصلاحيات هنا سلطات نافذة على الأجهزة المحلية, فمن أجل أن نقيم أداء المحافظين وأمراء المناطق, على سبيل المثال, يلزم منحهم سلطات وصلاحيات كافية, فالأداء مرتبط بمقدار الصلاحيات والموارد الممنوحة ومن ثم القدرة القيادية. لذا أصبح من المسوغ تخصيص ميزانيات للمناطق وفي مراحل متقدمة للمحافظات، وبهذا تكون المسؤولية ملقاة على عاتق المناطق وسكانها في إدارة شؤونهم بأنفسهم ليتحملوا بعد ذلك نتائج قراراتهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر. لم يعد مقبولا الاستمرار على النظام المالي العقيم ذاته الذي يركز على الإجراءات ويغض الطرف عن الأداء والنتائج المتحققة، ليغيب الربط بين المدخلات والمخرجات، وربما هذا ما يفسر ضآلة أداء المشاريع والخدمات العامة على الرغم من الإنفاق السخي للدولة!
لذا نخلص للقول إن المشكلة في جدة لا يمكن اختزالها على أنها فساد إداري وأخلاقي على مستوى الأفراد والمسؤولين، إنما غياب للعمل المؤسسي المبني على تحديد المسؤوليات والشفافية والمحاسبة والفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية في المستويات الوطنية والمناطقية والمحلية. هذا الغياب هو ما يفرز ما يسمى الفساد الإداري. لأنه في ظل الغابة من التداخلات الإدارية وضبابية الوضع الإداري والاعتماد الكبير على البيروقراطيات دون رقابية اجتماعية من مجالس نيابية يكون المجال مفتوحا لضعاف النفوس ليندسوا تحت كومة المعاملات الورقية والإجراءات الروتينية الشكلية ليحققوا منافعهم الشخصية على حساب المصالحة العامة دون أن يشعر بهم أحد. المطلوب نظام للإدارة المحلية يمنح الاستقلال المالي والإداري لمجالس المناطق والمجالس المحلية ويحدد من يعمل ماذا, وعندها فقط نستطيع أن نعلم من المحسن ومن المسيء.