اقتصاد المعرفة ومشكلتنا الاقتصادية «2»
المملكة العربية السعودية دولة غنية منحها الله النفط مصدر الدخل الرئيس، وعليه ارتكزت التنمية في الماضي وسترتكز في المستقبل. عبثا حاولنا تقليل الاعتماد عليه وذهبنا في ذلك شرقا وغربا، دعمنا الزراعة والتجار والصناعة، وعدنا اليوم لنقف على النقطة ذاتها التي انطلقنا منها، قلوبنا تخفق تعبا وخوفا، فنحن ما زلنا نعتمد على ذلك المصدر الذي يتناقص يوما بعد يوما كصفة لازمة لطبيعته. وفي غمرة الإحساس بالقلق، طرح مجلس الشورى عند مناقشته أهداف الخطة الخمسية هدف المحافظة على النفط للأجيال المقبلة، ثم ما لبث المجلس أن تراجع عنه؛ ذلك أننا كأمة متحضرة تريد أن تبقى في العالم المتحضر يجب عليها أن تنقل الثروة من باطن الأرض إلى ظهرها، وأن نخلق مصادر للدخل مستديمة باستثمار النفط الذي ينضب، تلك إحدى زوايا مشكلتنا الاقتصادية، ورغم حجم الهم وقلة حيلتنا أمامه عرض رئيس مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة، أن المملكة ستظل بطارية العالم التي تمده بالطاقة، لا أعرف كيف، لكن بالتأكيد لديه خطة. انظر إلى صورتنا الاقتصادية بدقة أكبر ماذا تُراك ترى؟ إنه جمال الثروة التي تتدفق على العالم من بين أصابع أرضنا، بينما تحت اليد الممتدة بالخير ترى فقرا وبطالة .. كيف؟ تلك معضلة فهم، وهناك معضلة كيف أخرى كي نستوعب البطالة، وكيف ثالثة لنحد من نموها، رغم نمو معدل السكان. انظر إلى الصورة جيدا ترى فيها القطاع الخاص كفرصة للحل، لكنها مهزوزة بعامل أجنبي وخطوط ألوان غير متوازية ولا متوازنة من رواتب وحوافز، فهناك من يقبض مئات الآلاف، وهناك من له مجرد مئات والأسعار في الخلفية نار لا تفرق بينهما. خزائننا مملوءة بالعملات الأجنبية ورياح أسعار النفط مواتية، ومع ذلك أرهقنا النظر في جانب جذب الاستثمارات الأجنبية .. لماذا؟ لكن كي تعرف لماذا في أدنى الصورة يجب أن تعرف إجابة كيف في أعلاها، هذه صورتنا الاقتصادية أو قل مشكلتنا.
كي تتوازن الألوان ونصحح مشكلاتها نحتاج إلى فن الفكر الاقتصادي. تلك بديهة، لكن هذا الفن متعدد المدارس ولرساميه نماذج حلول بعدد خطوط طول الكرة الأرضية وعرضها. نحن فقط نحتاج إلى تلك النقطة التي يتلاقى فيها خطا الطول والعرض عند حل مشكلتنا على خريطتنا نحن، وليس مشكلة الآخرين أو على خرائطهم هم. اقتصاد المعرفة نموذج متقدم للحل، لكن اقتصاد المعرفة الذي جاء لحل مشكلات الصين وكوريا غير اقتصاد المعرفة الذي نريده ليحل مشكلة نقل الثروة من باطن الأرض إلى ظهرها والبطالة والعمالة الأجنبية وعدم تناسب الرواتب. اقتصاد المعرفة الذي جاء مع ضعف الموارد وقدرة الفرد الشرائية، غير اقتصاد المعرفة الذي يأتي على بحيرات النفط وقدرات شرائية تجذب كبريات الشركات العالمية. وبشكل عام يمكن القول إن اقتصاد المعرفة يرتكز على فكرة ابتكار القيمة أو إعادة ابتكارها. الاقتصاد التقليدي يتحرك وفقا لمفهوم ''الحاجة أم الاختراع'' لكن اقتصاد المعرفة ينطلق إلى ما هو أبعد، إلى مفهوم - أسميه - ''الإقناع بالحاجة''. من منا كان يعتقد بحاجته إلى أجهزة التصوير الرقمية في الجوال، من منا قبل نحو 15 سنة كان يعتقد أن الجوال ذاته يمثل حاجة حقيقية، ومن منا اليوم يستطيع أن يعمل من دونه أو دون كل أولئك المتطفلين الذين نسميهم قنوات فضائية وإنترنت؟ هل جهاز الآيباد المتداول اليوم بشكل متزايد ويتباهى بالتلاعب به واقتنائه المذيعون في القنوات الفضائية يمثل حاجة أم قضية ترف؟ من منا لديه الرغبة في التخلي عن موارده المتاحة في يده الآن للحصول على ذلك المدعو آيباد؟ اذا كانت الحاجة، فمن قررها ومن طلبها ومن صنعها؟ هل الشركات التي نسمع عنها في عالم الإنترنت وننفق الوقت والجهد ونبذل ما نستطيع للتعامل معها والتطورات المذهلة في عالم التقنية الرقمية، هل تمثل جميعها حاجة أم ''إقناعا بالحاجة''؟ ومرة أخرى من يرسم الحاجة ومن يصنع لنا مفاهيمها؟
أعتقد أن مشكلة الابتكار اليوم لم تعد في ابتكار الآلة، بل ابتكار الحاجة، ابتكار مفهوم جديدة للقيمة الضرورية التي يجب علينا أن ''نتلهف'' للدفع في مقابلها ونشكي قلة الرواتب في مواجهتها. عندما تزور فندقا فإنك تتوقع أن تدفع أموالك في مقابل السكن والخدمات الفندقية الأخرى هذه هي مفاهيم الحاجة التي نعرفها وندفع في مقابلها للفندق، الابتكار يأتي عندما نستطيع خلق مفاهيم للفندقة جديدة ثم إقناع الناس بها، والدفع في مقابلها. المعرفة التي نقصدها ليست المعرفة التقليدية التي ترتبط بمجرد التعلم، بل بقضية القدرة على خلق مفاهيم جديدة والقدرة أيضا على تحويلها إلى حاجات أساسية، أما قضية صناعتها فهي أبسط. في هذا السياق يتحدث إدوارد دي بونو في كتابة الشهير ''ما فوق المنافسة'' Going Beyond Competition والمنافسة العالمية اليوم تدور رحاها في هذه القضية الشائكة قضية خلق المفاهيم الجديدة، مفاهيم للقيمة تستحق الدفع من أجلها.
لكن اقتصاد المعرفة لا يقف عند الابتكار فقط، بل يتجاوزه إلى مستوى تطوير بيئات ابتكارية، بيئة تشجع على خلق المفاهيم الجديدة والمخاطرة في تمويلها والاستثمار فيها. وهنا تعترض طريقنا كلمات مزعجة - بالنسبة لي على الأقل - إنها كلمة المبدع وكلمة الموهوب. ذلك أنها تقتضي البحث والتفتيش عن النوابغ الذين لديهم قدرات عقلية تتفوق على من في محيطهم، لكني أؤكد أن البحث عن هؤلاء مضيعة للوقت والجهود والأموال فلن نجدهم ولن نصنع منهم عالما اقتصاديا مثاليا. ذلك أن الإبداع ليس مجرد فكرة فكلنا ذاك المفكر وكلنا ذاك الموهوب. الإبداع - في نظري - ''إيمان'' بفكرة وصبر عليها ومثابرة. ولذلك - وهي وجهة نظر خاصة جدا - لا أؤمن بوجود الموهوبين والمبدعين بقدر إيماني بوجود الصابرين المثابرين، إننا عبثا نبحث عن المبدع بين المتفوقين، إننا عبثا نبحث عن المفكرين بين الفائزين، فالتفكير ظهر مع ظهور البشرية وهو مزيتها، فطري أصيل في الإنسان ونفحة ربانية عظيمة. لم تكن الثورات العلمية على مر التاريخ قضية فكرة مبدع بقدر ما كانت قضية إيمان بصحتها وتضحية في مقابلها بكل غال ونفيس. أتذكر هنا قصة الشاب الذي حمل فكرته سنوات لم يخجل منها، لم يخجل من طرق الأبواب التي أغلقت في وجهه ولم تفتر له همة، كان مؤمنا بفكرته، لكن من يخاطر معه ومن يؤمن به؟ إنها قضية صناع اقتصاد المعرفة الحقيقيين وليس مجرد أدعيائها، روعة المفكر والمبدع - تجاوزا - في صبره وهمته وروعة صناع اقتصاد المعرفة في الإيمان به ودعمه. فذلك الشاب الذي حمل مشروعة كقنديل رآه مدير جامعة الملك سعود وآمن به وبما حمل وأعطاه التمويل الذي يحتاج إليه، مخاطرا معه لإنشاء شركه ضمن منظمومة وادي التقنية. عندما يأتي صاحب الفكرة النيرة لن يأتي بثياب أنيقة وبذلة من أرقى العلامات العالمية وتعلوه وسامة وابتسامة، بل إنسان محبط أثقله الهم والفقر والدين يحمل مشعلا في رأسه يكاد ينطفئ .. فمن يهتم؟ حاضنات، غرف تجارية، تمويل المشاريع الصغيرة، صندوق فقر، صندوق موارد بشرية، سموها ما شئتم المهم أن نصل إلى هؤلاء الشباب ولا نبقى فقط ننتظرهم، بل نقنعهم أنهم صناع المستقبل فعلا، وأن ثقافة العمل لدينا يجب أن تتغير.