رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


التشكيك في عمليات التيسير الكمي الثانية

مع وجود كثير من المختصين المؤيدين لاستخدام سياسات التيسير الكمي إلا أن هناك كثيرا من المشككين في قدرة عمليات التيسير الكمي الثانية على تحفيز نمو الاقتصاد الأمريكي. ويرى بعض المشككين أن مجلس الاحتياط الفيدرالي ''الفد'' لا يستطيع وحده النهوض بالاقتصاد وأنه يبالغ في تقدير حجم تأثيره. ويعزو المشككون نجاح الفد نسبياً في المرة الأولى عام 2009 لتزامن تلك السياسات مع وجود شح حاد في السيولة وترافق تنفيذها مع تنفيذ برنامج توسع مالي كبير، الذي تضمن ضخ أصول في المصارف وإعفاءات ضريبية لملاك المنازل. ومع كون التحفيز المالي لا يتمتع بشعبية هذه الأيام إلا أنه نجح في تحفيز النمو عندما انخفض دور القطاع الخاص.
ويعتقد بعض المؤيدين لعمليات التيسير الكمي أن حجم العمليات الحالية غير كافٍ لإحداث أثر ملموس في الاقتصاد وأنها ستؤثر بدرجة أقل من عمليات التسيير الكمي الأولى. ويرون أن حجم هذه السياسات ينبغي ألا يقل عن تريليون دولار. ويبلغ حجم السياسات الحالية 600 مليار دولار، بينما تجاوز حجم السياسات الأولى 1.5 تريليون دولار. وتقدر بعض الدراسات أن شراء ''الفد'' سندات خزانة بواقع تريليون دولار يرفع الناتج المحلي بنحو 0.6 من واحد في المائة، ويخفض معدلات البطالة بأقل من 0.5 في المائة خلال العام التالي. ومن الناحية الإيجابية فإن عمليات التيسير الكمي تعطي إشارات قوية للمستثمرين بأن السلطات النقدية تدرك ضعف الاقتصاد وأنها مصممة على بذل قصارى جهدها لتحفيز النمو. ويرى المؤيدون لهذه السياسات أن هناك فرصة بأن يرفع ''الفد'' حجم عمليات التيسير الكمي الثانية في حالة وجود حاجة لإضافة المزيد.
ويرى بعض المنتقدين لسياسات التيسير الكمي أن عمليات شراء السندات بأسعار عالية في الوقت الحالي تتم عند معدلات فائدة منخفضة، ولكن بيعها عند عودة النشاط الاقتصادي وارتفاع معدلات الفائدة إلى مستوياتها المعتادة سيخفض أسعار هذه السندات، ولن يستطيع ''الفد'' في هذه الحالة سحب كل المبالغ النقدية التي ضخها في الاقتصاد مما سيقود إلى رفع معدلات التضخم. ونتيجةً لذلك سيعاني ''الفد'' من عجز في عملياته النقدية وقد يلجأ إلى الخزانة العامة للحصول على سندات إضافية لامتصاص السيولة.
ويرى المعارضون لسياسات التيسير الكمي أنها سترفع أسعار المواد الأولية والأوراق المالية بسبب ضمان انخفاض تكاليف الاقتراض اللازمة لتمويل عمليات الشراء، وهذا سيدفع بالأسعار إلى الأعلى وقد يغذي تضخم أسعار الأصول فوق المستويات التي تحددها الأساسيات. ويجزم البعض بأن ارتفاع أسعار الذهب والنفط الحالي ناتج عن وجود سيولة مرتفعة في الأسواق المالية. وهنا تأتي معضلة توقيت الانسحاب من عمليات التيسير الكمي، حيث يجب ألا يتم الانسحاب إلا في حالة عودة الاقتصاد إلى وضعه الطبيعي، ولكن الاستمرار في عمليات التيسير الكمي قد تقود إلى رفع معدلات التضخم إذا لم يتم رفع معدلات الفائدة قبل بدء التضخم بوقت كافٍ. ويرى بعض المختصين أن هناك حاجة لسحب السيولة قبل فترة طويلة للحد من تأثيرها في الأسعار، وقد تصل هذه الفترة إلى ما لا يقل عن عام ونصف. ويتطلب سحب السيولة في حالة عودة النشاط الاقتصادي إلى وضعه المعتاد عكس سياسات التيسير الكمي، وذلك ببيع السندات ثانيةً إلى القطاع الخاص واسترجاع النقد من حسابات واحتياطيات المصارف لدى المصرف المركزي. ومن الناحية النظرية من السهل عكس السياسة النقدية، ولكن من الناحية العملية تحول الضغوط السياسية عن عكس هذه السياسة. فليس من السهل سياسياً تبني سياسات التشدد المالي أو النقدي وقد تكون الضغوط السياسية من القوة، بحيث تمنع اتخاذ سياسات التشدد النقدي في الوقت المناسب مما يقود إلى ارتفاع معدلات التضخم. ويتخوف المعارضون لهذه السياسات من تسببها في الضغط على الأسعار وحتى فقدان السيطرة على التضخم في حالة تجاوب الاقتصاد مع هذه السياسات بأقوى من المتوقع. ويرى بعض المعارضين أن عمليات التيسير الكمي ترفع من معدلات التضخم في الأمد المتوسط وتصعب من السيطرة عليه وهذا قد يجبر ''الفد'' على رفع معدلات الفائدة في حالة كون النمو الاقتصادي ما زال هشاً. وقد يفقد ''الفد'' الثقة المعلقة به إذا فشلت سياسات التوسع الكمي الثانية وهذا قد يكون أخطر نتائج هذه السياسة. ولهذا قد تكون عمليات التيسير الكمي آخر ما يستطيع ''الفد'' القيام به للنهوض بالاقتصاد.
ويرى بعض الاقتصاديين أن التراجع الاقتصادي نشأ واستمر بسبب انخفاض الطلب الكلي وليس بسبب تراجع الائتمان. وخفض معدلات الفائدة لن يجدي في تحفيز النشاط الاقتصادي لعدم توافر رغبة لدى الأعمال والأفراد في الاقتراض مهما كانت معدلات الفائدة في ظل معدلات البطالة المرتفعة وتراجع النمو الاقتصادي والأرباح. ويرى كثيرون أن تراجع نمو الائتمان حدث نتيجةً لانخفاض جدارة كثير من المقترضين وليس بسبب عدم توافر مصادر التمويل، ولهذا فإن رفع حجم النقود لن يسهم في رفع حجم الائتمان بدرجة مؤثرة وعلينا الانتظار حتى عودة الثقة تدريجياً في المقترضين كي تتحسن مستويات التمويل.
ويتخوف المعارضون من تسبب هذه السياسات في رفع أحجام التجارة المحمولة وزيادة فرص تكون فقاعات أصول في الدول الصاعدة. وتنشأ التجارة المحمولة حين يقترض المضاربون من المؤسسات المالية الموجودة في الدول التي تنخفض فيها أسعار الفائدة ويستثمرونها في أصول مالية في الدول الصاعدة التي تفتح الحركة أمام رؤوس الأموال جرياً وراء عوائد أكبر. وعند عدم الخوف من ارتفاع عملة الدول المقترض منها فإن حجم المخاطرة في الاقتراض صغيرة جداً بينما حجم العوائد مرتفع بسبب وجود فقاعات أصول في الدول الصاعدة، ما يعني تحقيق أرباح كبيرة للمقترضين. وفي هذه الحالة لن تستفيد الدول التي قامت بعمليات التيسير الكمي من هذه السياسات، ويذهب جزء كبير من الائتمان لتغذية تضخم أسعار الأصول في دول أخرى. وعند انهيار فقاعة الأصول فإن آخر المستثمرين في الدول المتلقية للأموال الساخنة يتكبدون خسائر فادحة وتنهار الأسواق المالية في بعض الدول أو تنهار أسعار السلع الأولية والمنازل.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي