الفتنة الطائفية في مصر.. الحلول بين الممكن والمستحيل!
أدانت السعودية على لسان سفيرها في مصر الأستاذ هشام ناظر الاعتداء الإرهابي على كنيسة القديسين في الإسكندرية، كما أدان المفتي العام الشيخ عبد العزيز آل الشيخ هذا العمل الإجرامي المخالف للشريعة الإسلامية السمحة.
ولا شك أن هذا التفجير وضع المجتمع المصري مرة أخرى في شراك الفتنة الطائفية. والمؤسف أن هذه الفتنة تغذيها فيالق مسيحية في الغرب على رأسهم بابا الفاتيكان الذي ألمح في مناسبات عديدة عن مواقفه العدائية ضد الإسلام والمسلمين، وقال بأن الأقليات المسيحية في الدول العربية تتعرض للعدوان من المسلمين، وطالب الحكومات الغربية بحماية الأقليات المسيحية في الشرق الأوسط.
وواضح من مجريات الأحداث أن الفتنة الطائفية في مصر بعد انفجار كنيسة القديسين بدأت تأخذ بعداً دولياً يعد مقدمة لإجراءات من المرجح أن تتخذها بعض الدول الغربية إزاء الحكومة المصرية التي ــــــــــ من وجهة نظر الغرب ــــــــــــ لم تقم بالحماية الكافية للمسيحيين الذين تعرضوا للتفجير والقتل في أحداث الإسكندرية.
ونعرف بأن الغرب ينفذ في هذه الأيام مشاريع تقسيم بعض الدول العربية إلى دويلات ودويلات كما حدث في العراق والسودان وكما يحدث في اليمن والجزائر ولبنان. وها هو ساركوزي رئيس فرنسا يصرح بأن المسيحيين في الشرق الأوسط يتعرضون للعدوان من المسلمين، ويطالب بحمايتهم من عدوان المسلمين، أمّا الرئيس أوباما فقد اكتفى بإرسال برقية عزاء إلى الرئيس مبارك بعد عشرة أيام من حادث الإسكندرية، وفي البرقية (المتأخرة) غمز ولمز وتهديد ووعيد!
ومن ناحيتهم، فإن المعتدلين في مصر يطالبون الحكومة المصرية بتعديل كثير من القوانين وبالذات في قطاع التعليم والإعلام والقضاء، كما يؤيدون مطالبة الأقباط بإطلاق سراح قانون دور العبادة الموحد الذي ظل حبيس أدراج مجلس الشعب لسنوات طويلة.
وكان الجميع يظن أن إصدار قانون دور العبادة الموحد سيزيل الاحتقان بين المسلمين والأقباط، وسيعطى للأقباط حق بناء الكنائس وفق شروط نظامية تسري على المسلم والقبطي سواء بسواء.
ولكن المفاجأة أن أحد المحامين المسلمين المعدودين أعد دراسة إحصائية جاء فيه أن إصدار قانون دور العبادة الموحد لن يكون في صالح الأقباط، بل سيكون في صالح المسلمين.
ولذلك فإن إصدار هذا القانون لن يحل الاحتقان بين المسلمين والأقباط، بل سيعطى للمسلمين حق بناء المزيد من المساجد، ويمنع المسيحيين من بناء المزيد من الكنائس. وجاء في الدراسة إن مشروع قانون دور العبادة الموحد يحدد عدد دور العبادة الإسلامية والمسيحية واليهودية بما يتناسب مع عدد السكان. وطبقاً للاعتبارات والمواثيق الدولية التي تنص على حق العبادة لكل إنسان، فإن المُصّلي المسلم أو المسيحي يحتاج إلى مساحة 46 سنتمترا كحد أدنى أو 100 سنتمتر كحد أقصى لأداء الشعائر الدينية الخاصة به سواء كانت في المسجد أو الكنيسة، كما أشارت الدراسة إلى أن الشعب المصرى المقدر تعداده بـ 80 مليون نسمة تقريباً في حاجة إلى مساحة إجمالية قدرها 36 مليون و800 ألف متر مربع كحد أدنى و80 مليون متر مربع كحد أقصى للعبادة بشقيه المسلم والمسيحي.
وبناء على ذلك فإن مسلمي مصر البالغ عددهم 72 مليون نسمة تقريباً يحتاجون إلى مساحة تقدر بنحو 33 مليون و120 ألف متر كحد أدنى و72 مليون متر كحد أقصى، بينما يحتاج الأقباط البالغ عددهم ثمانية ملايين قبطى ــــــــ وفقاً لتقدير الأمم المتحدة ــــــــــ إلى مساحة ثلاثة ملايين و680 ألف متر كحد أدنى وثمانية ملايين متر كحد أقصى. وتشير الدراسة إلى أن عدد الكنائس المقامة في مصر في الوقت الحالي بلغت نحو 3126 كنيسة، تضاعفت خلال الفترة من عام 1972 وحتى 1996 إلى الضعف تقريباً، من بينها أكثر من 500 كنيسة دون ترخيص، إضافة إلى عشرات الأديرة المنتشرة في ربوع المحافظات المصرية وتتسع لنحو 24 مليون مصلي قبطي.
أمّا بالنسبة لعدد المساجد فإنها تبلغ 92600 مسجداً منها 64676 مسجداً تحت ولاية وزارة الأوقاف والباقي ما بين مساجد أهلية وزوايا لا تتعدى مساحتها 100 متر مقسمة على 72 مليون مسلم.
وإذا كان عدد المساجد في مصر قد وصل إلى 92.600 مسجد، أي بمتوسط 46 مليون متر تقريباً، فإنه طبقاً لميثاق الأمم المتحدة السابق الإشارة إليه، فإن مسلمي مصر (وليس أقباطها) هم من يحتاجون إلى بناء المزيد من المساجد التي تراوح مساحتها ما بين 33 مليون و120 ألف متر كحد أدنى و72 مليون متر كحد أقصى بمتوسط 48 مليون متر تقريباً، أي أن المسلمين ــ وفقاً للقواعد القانونية الصادرة عن الأمم المتحدة ــ لديهم عجز في المساحات المخصصة للمساجد يراوح بين مليوني متر و26 مليون متر مكعب تقريباً، أي ما يعادل 52 ألف مسجد بمساحة 500 متر للمسجد الواحد.
وواضح من خلال هذه الأرقام أن أقباط مصر أخذوا حقهم وأكثر في قضية بناء دور العبادة. وهذه القضية من القضايا الساخنة في الشارع المصري، وإذا تأكد للحكومة أن هذه الأرقام صحيحة، فإن المسلمين (وليس الأقباط) هم الذين يحق لهم المطالبة بمساواتهم بالأقباط وإعطائهم مزيداً من التراخيص لبناء المزيد من المساجد.
أمّا القضايا الأخرى التي تحتل أهمية كبرى لدى الشارع القبطي هي: قضية تعيين الأقباط في الوظائف العليا في الدولة، وانخفاض حصص الأقباط في مجلسي الشعب والشورى، وغياب الإعلام القبطي. ونحن نعتقد أن الرئيس مبارك من أحسن الرؤساء الذين تعاملوا مع هذا الملف، وهو َمنْ حرص على إعطاء الأقباط مزيداً من المناصب الرفيعة في الدولة، كما إن الرئيس استخدم حقه الدستوري في تعيين عدد وافر من الأقباط والسيدات في مجلسي الشعب والشورى، وبالذات في الدورة التي بدأت في الشهر الماضي والتي ستستمر لخمس سنوات قادمة.
أمّا فيما يتعلق بالعضوية في مجلس الشعب فإن الجميع يعرفون أنها ترتهن إلى صناديق الانتخابات الحرة، وإذا كان الأقباط أقلية، فإن انتخابهم لمجلس الشعب يبقى من الأمور الصعبة جداً. ويعرف الأقباط أن قواعد الانتخابات الحرة لا تفرض مواطناً قبطياً بالقوة على الناخبين.
وفيما يتعلق بالإعلام الفضائي، فإن الفضاء السمائي يفتح المجال أمام كل الملل والنحل لتتسلق أسواره وتطلق ما شاء لها من محطات فضائية.
وإذا كان الأقباط قد تحققت لهم كل هذه المطالب، فإنني أعتقد أن مطالب الأقباط قد تحققت بالكامل، ولا أتصور أن أمام الأقباط في مصر وضعاً أفضل من الوضع الذين يعيشون فيه الآن، حيث إن حقهم في بناء دور العبادة (وهي القضية الأكبر) يمارسونه بالكامل وزيادة، كما أن حقوقهم في الوظائف العليا ترقى إلى مستوى الرضا. وحقهم في وسائل الإعلام متاح لكل الملل والنحل، أمّا حقهم في مجلس الشعب فإنه لا يأتي إلاّ عبر صناديق الانتخابات وهو مبدأ من مبادئ الديمقراطية التي َملّكتها لأغلبية الشعب المصري وليس لأقلية الشعب المصري!