رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


اقتصاد المعرفة ومشكلتنا الاقتصادية (1)

كلما قرأت عن المشكلة الاقتصادية أو سمعت عنها تذكرت قصيدة الأمير الشاعر والفيلسوف السعودي خالد الفيصل عندما يقول:
يا مدور الهين ترى الكايد أحلى
اسأل مغنّي كايدات الطروق
الزين غالي لكن الأزين أغلى
ولكل شرّايٍ بضاعة وسوقِ
ثم يقول:
أحب أعسف المهرة اللي تغلّى
وأحب أروّض كل طرفٍ يموقِ

المشكلة الاقتصادية مهرة تتغلى حتى على من يجيد ترويض كل اللي تغلى. ورغم تطور البشرية فلم تتطور مشكلتهم الاقتصادية وبقيت متمردة كما هي، مواردنا محدودة أمام احتياجاتنا ولدينا خلل خطير ملازم في توزيع المحدود من مواردنا وثرواتنا على كل الحضور. وكلما زادت مواردنا تطورا زادت أعدادنا واحتياجاتنا في مقابل ذلك ـــ مهرة تتغلى كلما زدنا قربا منها وفهما. النظريات الاقتصادية هي طريقتنا ''لعسف'' المشكلة, لكن الاختلاف حول النظريات أبدا لا ينفك يشب ولا نحن ننفك نختلف حولها. فالنظرية الاقتصادية تشبه بحيرة كبيرة تحيط بها المدينة من كل جانب. إذا رأيت البحيرة من جانب المدينة الثري والأقواس الجميلة والطرق المرتبة النظيفة والمحال التجارية العالمية التي تزخر بكل روائع الإنتاج البشري فإنك من هناك ومن ذلك الجانب سترى بحيرة في غاية الجمال، لكن لا تتسرع في الأحكام وأكمل جولاتك حول المدينة وبحيرتها وزر جانبها الآخر، جانب البؤس والحرمان, جانب الشوارع الضيقة التي يتكدس فيها الفقراء وتهملها بلدية المدينة لتنتشر القاذورات والأمراض والجهل والجريمة. من هناك عُد وأرجع البصر كرتين على ذات البحيرة .. ماذا ترى؟ ستراها مقززة للأنظار ـــ تلك هي النظريات الاقتصادية. لم تقدم الرأسمالية حتى الآن أجمل مما قدمته الاشتراكية، لم تتحسن مواردنا ولم نحسن توزيعها حتى اليوم، بل على العكس نحن نشتكي من الهدر في الموارد بلا نتائج ملموسة على الفقر والبؤس والجهل والجريمة، بل زاد الإنفاق اليوم من أطراف العالم إلى أطرافه والبطالة تتزايد معه في كل العالم ـــ ومع الأسف ـــ لا يوجد مخرج ونحن ننظر إلى أفق النفق المظلم بقدر الضوء الذي تمنحه لنا مشاعلنا المضيئة.
اقتصاد المعرفة ليس خروجا على النظرية الاقتصادية الرأسمالية أو الاشتراكية وليس نظرية للحل بقدر ما هو أسلوب للعمل. ولتوضيح الأمر فإنه يشبه برنامج الوورد الذي أكتب من خلاله هذا المقال, الذي في حاجة إلى برنامج للتشغيل. فبرنامج وورد Word هو اقتصاد المعرفة وبرنامج التشغيل ويندوز Windows هو الرأسمالية اليوم، وأعتقد أن المصرفية الإسلامية هي أيضا من نوع التطبيقات الاقتصادية التي تحتاج إلى برامج تشغيل. اقتصاد المعرفة يبذل جهدا كبيرا في تطوير جانب الإنتاج وذلك من خلال ابتكار وإعادة ابتكار القيمة. ما أضافه اقتصاد المعرفة لنا أننا أصبحنا ننظر إلى العقل المفكر كمورد من الموارد, وهذا تقدم كبير جدا في الفكر الاقتصادي بلا شك وخطوة بشرية عملاقة ـــ في نظري على الأقل. لكن يجب ألا ننخدع ونقول إن مثل ذلك لم يحدث في الماضي, فليست الكهرباء والمخترعات الكبرى إلا نتاج ذلك المورد العملاق ـــ العقل، لكن القضية في الماضي كانت مرتبطة بالمكان والموارد الطبيعية للمكان. بمعنى أنه مهما كانت عبقرية الفرد وابتكاره فإن تحويل ذلك الفكر إلى منتج يمكن بيعه وتسويقه مرتبط بما في بلده من موارد مالية ومادية وبشرية، وبخلاف ذلك فإنها مجرد فكرة وحلم عابر لا تؤثر في الحركة الاقتصادية حتى لو تمت صناعتها بشكل محدود جدا. لكن اليوم ومع الحرية الاقتصادية المنفلتة تماما ومنها حرية الفكر وحركة رأس المال وحرية حركة العمالة والناقلات العملاقة للبشر وللمواد والمعادن، أصبح الفكر هو الجاذب الحقيقي لكل تلك الموارد وأصبح العلم ـــ فعلا يُؤتَي ولا يذهب لأحد. الأمة الغنية اليوم هي الغنية بما لديها من الأفكار, ذلك أن قوة جاذبية هذه الأفكار قادرة على جذب ما تريده الأمة من موارد وأموال. لم يعد للاستعمار وتحريك الجيوش من معنى طالما بإمكان الدول نقل كل ما لدى الآخرين من بشر وثروات إليها وبمحض إرادتهم هم. ذلك هو اقتصاد المعرفة, وإن أحببت فقل استعمارها، إذا لم يكن لديك فكرة أو عقول تفكر فاستعمرها. الجامعات الناضجة وليست الجيوش هي التي تستعمر العقول. كيف ننتج العقول أو نستعمرها إذا لزم الأمر، ثم كيف نجذب ونوظف الموارد لدعم ما تنتجه تلك العقول ثانيا؟ تلك هي الأسئلة التي يحاول اقتصاد المعرفة الإجابة عنها اليوم.
لكن اقتصاد المعرفة مجرد تطبيق واحد في نظام تشغيل اقتصادي متكامل, لذلك لن يعمل بشكل جيد وفاعل طالما كان نظام التشغيل الاقتصادي نفسه يواجه مشكلات في أدائه. الاندفاع بشكل محموم نحو اقتصاد المعرفة ـــ عمل رائع نظريا ـــ لكنه محفوف بالمخاطر إذا لم يصاحبه تطوير في بنية وهياكل الاقتصاد. لا أقول ''لا ننطلق'' نحو اقتصاد المعرفة حتى نستكمل جوانب تطوير الاقتصاد، بل نعمل في الجانبين كما تعمل ''مايكروسوفت'' في تطوير كل برامجها من التشغيل حتى التطبيقات. يجب حل مشكلات التمويل والنظام المصرفي واحتكاراته وضمان الحرية الاقتصادية, خاصة للمواطنين، ورفع أداء التنافسية في الداخل، وحل مشكلات التوظيف والعمالة الأجنبية ومستويات الرواتب، يجب أن تعمل المؤسسات الخيرية بشكل أفضل، ويجب استكمال البنى التحية في مجال النقل البري والطيران والموانئ وحركة العمال بين المدن، وتطوير القضاء وتخصصاته وتطوير الأنظمة ونشرها والتوعية بها، ومن ذلك جميع أنظمة وزارة التجارة التي تخطت 15 سنة، ونظام التعليم العالي. كل تلك المشكلات وغيرها كثير يجب أن نعمل على حلها جنبا إلى جنب مع مشروعنا المعرفي ... (يتبع).

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي