إعادة النظر في الاستقدام لتوفير فرص العمل والحد من الجرائم
الاستقدام في المملكة نشأ منذ الطفرة الأولى؛ للاستفادة من الخبرات من مختلف دول العالم، وللمشاركة والعمل في إنشاء البنية التحتية، والعمل في مختلف القطاعات الحكومية، سواء التعليمية أو الإدارية أو الفنية، ولا شك أن سياسة الاستقدام في تلك الفترة كان لها دور فاعل في الكثير من المشاريع وتلبية احتياجات المواطن والوطن، لكن بطبيعة الحال فإن المتغيرات الحالية تجعل من الضروري إعادة النظر بشكل متواصل في كثير من الإجراءات والبرامج والأنظمة مراعاة لهذه المتغيرات؛ لتكون هذه التغييرات عبارة عن تفاعل مع الاحتياجات الحالية، خصوصا أن المملكة اليوم تشهد متغيرات كبيرة فيما يتعلق بالنمو السكاني والحاجة إلى توفير فرص عمل، إضافة إلى زيادة المستوى التعليمي لدى الشباب من خريجي الجامعات والمعاهد الفنية والتقنية والصحية، حيث يتخرج عشرات الألوف سنويا، حتى إنه أصبح يشكل نقلة نوعية في المجتمع، وقدرة الشباب وكفاءته في أداء أعمال كانت في السابق الحاجة ماسة إلى التعاقد عليها مع غير المواطنين لأدائها، فكل هذه الحقائق كافية اليوم لإعادة النظر والتفكير في آليات التعاقد والاستقدام في المملكة.
الحقيقة، أنه هناك الكثير من القضايا التي أفرزها الوضع الحالي للاستقدام، لعل من أبرزها:
أولا: إن سوق العمل تشهد وجود أكثر من سبعة ملايين عامل من غير المواطنين، يتصور أن جميعهم يشغل عملا بشكل أو آخر، حتى إن لم يكن يعمل في المجال الذي من أجله تم استقدامه.
ثانيا: إن الاستقدام بوضعه الحالي لا يتيح للعامل إقامة مستقرة، حيث إن أغلبيتهم يعملون برواتب منخفضة، ولا يتاح لهم اصطحاب عائلاتهم لأسباب نظامية ومالية، وهذا - مع الأسف - له عواقب اجتماعية وأخلاقية واقتصادية سلبية، حيث إن كثيرا من هؤلاء يباشرون أعمالهم بشكل مباشر داخل الأسر في المجتمع، مثل الخادمات والسائقين، إضافة إلى العاملين في المحال التجارية، وسائقي الأجرة، والصحف بشكل دوري تقريبا أصبحت تنشر ما يبرز على السطح من قضايا أخلاقية وسرقات وغيرها من القضايا، التي أصبحت في هذه الظروف تجد بيئة - مع الأسف - تتحين الفرص لارتكاب الجريمة دون وازع أو رادع، في ظل إقامة هؤلاء العاملين لفترات طويلة بعيدا عن أوطانهم وأسرهم، وفي ظل مباشرتهم كثيرا من الأعمال التي قد يكون من الصعب منع وقوع الجريمة فيها، ناهيك عن أن الكثير من العاملين يحول ما يحصل عليه بالكامل خارج الوطن؛ نتيجة لأن عدم وجود أسرهم بقربهم لا يحفزهم ذلك على الإنفاق داخل المملكة؛ ولذلك تجد أن تحويلات العمال السنوية تصل إلى أرقام هائلة، لا تعود على الاقتصاد الوطني.
ثالثا: إن البيئة التنافسية للمواطن في مقابل المقيم أو المستقدم غير متكافئة بوضعها الحالي، ففي الوقت الذي يقبل القيم براتب منخفض وبوقت عمل لفترة طويل قد تصل أو تتجاوز 12 ساعة، تجد أن المواطن وبسبب المتطلبات الاجتماعية لا يملك فرصا متساوية مع العامل الآخر؛ إذ إن الراتب المنخفض لا يتمكن معه المواطن من تحقيق أدنى متطلبات المعيشة، فضلا عن تكوين أسرة والتكفل باحتياجاتها، إضافة إلى العمل لفترة طويلة سيشكل تضييقا على الشاب للإيفاء بالتزاماته الأسرية والاجتماعية.
رابعا: أن عدد الخريجين من الجامعات والمعاهد يتزايد بشكل سنوي؛ ما يجعل من الصعب توفير فرص عمل داخل القطاعات الحكومية بشكل مستمر، كما أنه يتطلب إيجاد آلية تسهم في إيجاد دوري لفرص العمل بشكل مستمر يستوعب هذه الأعداد الكبيرة التي تدخل سنويا إلى سوق العمل.
هذه بعض القضايا التي تعبر عن الوضع الراهن لسوق العمل في المملكة، التي تشهد تحولا كبيرا، ينبغي أن ينعكس على الأنظمة والإجراءات بشكل يسهم في أن يكون الاستقدام بشكل أكثر فاعلية، ولعل من المقترحات، أن يكون هناك حد أدنى من الأجور يتساوى فيه المواطن والمقيم في الوظائف التي يمكن أن تكون مستهدفة ومقبولة ومطلوبة من قبل المواطنين، مثل قطاع التجزئة، وقطاع السياحة والخدمات، وقطاع التعليم الخاص وغيرها، ويتم اختبار مستويات للحد الأدنى من الرواتب؛ كي لا تكون لها آثار سلبية على الأسعار والبيئة الاستثمارية للسوق الوطنية. وهذا الإجراء من شأنه أن يزيد فرص تنافسية المواطن، ويشجع على استقطاب كفاءات أفضل من الخارج.
أن يتم تسهيل اصطحاب العاملين من غير المواطنين لعائلاتهم، وتحفيز استقدام الرجل وزوجته العاملة، مثل السائق وزوجته كخادمة، أو المعلم مع زوجته المعلمة مثلا، بدلا من أن يكون الاستقدام لكل فرد على حدة، حيث إن وجود العاملين كأسر له جوانب اجتماعية وأخلاقية واقتصادية إيجابية، حيث سيتم إنفاق جزء من دخلهم في الغالب داخل السوق في المملكة، وليس تحويله بالكامل إلى الخارج. كما أن ذلك سيحد من السعي إلى ممارسات غير أخلاقية متعددة كما سبقت الإشارة إليه.
من المقترحات أيضا، إعادة النظر في نظام الكفالة، حيث إنه أصبح وسيلة للكسب السهل وغير المشروع وأكل أموال الناس بالباطل، فبدلا من أن يقوم الكفيل بدفع الأجرة لمكفوله، فإنه يأخذ منه مبالغ هائلة مقابل إعطائه الفرصة للعمل في المملكة، وهذا فتح الباب واسعا لممارسة أنواع من التلاعب والممارسات غير النظامية وتضييق الخناق على المواطن في مجالات متعددة من التجارة، وإيجاد تجمعات من كل جنسية تستحوذ على قطاع معين وتمارس التضييق على كل من ينافسها.
من المقترحات أيضا، وضع عقوبة رادعة لكل من يتجاوز في مجال الاستقدام، واعتبارها جريمة وطنية وليست مجرد مخالفة؛ لأنها فعلا تتناقض مع القيم الوطنية، التي من أهمها الالتزام بالنظام والتعليمات الحكومية التي تخدم المواطن بشكل رئيس.
الخلاصة، أن سياسة الاستقدام تحتاج إلى إعادة نظر وقراءة فاحصة، تستوعب التغيرات في المملكة، وتتفاعل بشكل مرن لمواكبة التغيرات.