بكينا دمعا على العراق.. فهل نبكي فرحا على تونس؟
لقد عشنا جميعا أحداث تونس الأخيرة. ما جرى في هذا البلد العزيز كان محسوسا ليس فقط على مستوى الزعماء والحكومات والدول العربية، بل على مستوى الأفراد، ولن أزيد الموضوع خردلة إن كتبت مادحا ما قام به الشعب التونسي، ولن أرفع أو أقلل من شأن ما قام به هذا الشعب العربي الأبي إن كتبنا مقالا إضافيا عنه.
كما كان الشأن مع التغير الذي حدث في العراق إثر غزو أجنبي همجي بربري، حيث لم تكل ماكينة الإعلام من اجترار خطاب طنان براق لدرجة أنها حولت كلمة "الغزو" إلى "تحرير"، فإنني أخشى على تونس رغم الفارق الكبير بين الأحداث ومجرياتها التي أدت إلى التغيرين.
وخشيتي تنبع من بكائي المرير على العراق الذي حوله المجرمون ـــ حكامه السابقون وغزاته وأعوانهم اللاحقون ـــ إلى مقبرة كبيرة، إلى دولة فاشلة لا مستقبل لها. ما يدعو إلى التفاؤل في حالة تونس هو غياب عنصر الغزو الأجنبي وغياب مريديه من المواطنين التونسيين. في حالة العراق قدم الغزاة ومريدوهم من "المواطنين" العراقيين معهم وهم يستقلون الدبابات والمدرعات والطائرات الغازية.
واليوم غادرت معظم الجيوش الغازية العراق تجر وراءها ذيول الخيبة والخسران وتركت خلفها بلدا مدمرا وشعبا بائسا يائسا. هذا عهد الغزاة على مر التاريخ. واليوم تفتك عصابات مسلحة من القتلة المأجورين بهذا البلد، حيث بلغ عدد ضحاياها في الأشهر الأخيرة الماضية فقط أكثر من ثلاثة آلاف شخص.
غايتنا من هذه المقاربة البسيطة بين أحداث العراق وأحداث تونس قراءة الواقع العربي قراءة نقدية تحليلية، كما هو دأب هذا العمود في أغلبية المقالات التي تظهر فيه. كما أن النصوص، دينية أو دنيوية، تستند إلى بيئتها وزمانها ومكانها، كذلك الثورات الاجتماعية والتغيرات السياسية. إن أردنا قراءة الحالة التونسية، علينا قراءة محيطها. ومحيط أي حدث اليوم لا يمكن فهمه من خلال بيئته المحلية فقط. وتونس، كما العراق، درس إن فهمه العرب فخير على خير وإن لم يستوعبوه فالويل من الآتي من الأيام، وأسس هذا الدرس تستند في بعضها إلى ما يلي:
أولا، أظهر الغرب (أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية) نفاقه وخسته بشكل مفضوح مرة أخرى. الغرب الذي كان الداعم الرئيسي للحكم السابق في تونس حتى اللحظات الأخيرة منه، انقلب على عقب وأخذ يظهر نفسه حريصا على حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية.
ثانيا، العرب والمسلمون وحكامهم وحكوماتهم حظوتهم تستمر لدى الغرب طالما نفذوا رغباته وهي لا تتجاوز حفظ أمن إسرائيل ومحاربة ما يصفه الغرب بالمد الإسلامي المتطرف. أما المد الغربي المسيحي المتطرف فهذا جائز عمليا وغير جائز حتى الإشارة إليه خطابيا.
ثالثا، مسألة حقوق الإنسان والحرية وغيرها من التعابير الطنانة يريدها الغرب إن لبت متطلباته، إن لم تلب هذه المتطلبات، فأي انتخابات ديمقراطية في الدول العربية وحتى لو راقبتها الملائكة وبصمت على صحتها، سيحاول الغرب إفشالها. وفوز حماس في الانتخابات النزيهة التي أجراها الفلسطينيون خير مثال على ذلك.
رابعا، الغرب بمؤسساته المدنية والدينية، ينتفض ويقيم الدنيا ولا يقعدها إن تعرض شخص في بلد عربي، ولا سيما إن لم يكن الود لإسرائيل، لما يراه مخالفا لشرائعه الخاصة بحقوق الإنسان. أما تعرض ملايين الفلسطينيين لانتهاك حقوقهم الإنسانية من قبل إسرائيل ولأكثر من أربعة قرون وتحويل مناطقهم إلى سجون مفتوحة وزج الآلاف بينهم الأطفال والشيوخ والنساء في الزنزانات وهدم البيوت وقلع الأشجار والقتل المتعمد فكل هذا جائز.
خامسا، الغرب لا يرى إلا الجزء الذي يريد أن يراه من الحقيقة، وهكذا لا يتورع ولا يخجل وزير إسرائيلي من التشدق بحقوق الإنسان وانتقاد دول أخرى على انتهاكاتها في هذا المجال. والغرابة لا بل الصلافة تظهر عندما يطالب مسؤول أمريكي دولة أخرى باحترام حقوق الإنسان، والانتهاكات الأمريكية الفظيعة لحقوق الإنسان في غزوها العراق ما زالت عالقة في أذهاننا. وفي كل تقرير يصدر من هؤلاء عن حقوق الإنسان ليس هناك ولو عتاب بسيط على إسرائيل رغم ممارستها لأبشع احتلال عرفه التاريخ في حق الفلسطينيين.
العراق وتونس يجمعهما الكثير. البلدان تربطهما وشائج وعلاقات تختلف ما بين أي بلدين عربيين. في تونس وإلى وقت قصير كان الطلبة يقرأون الكتب المنهجية التي تم تأليفها في العراق. ولكن آمل ألا تجمعهما ذات التجربة المريرة التي حلت بالعراق بعد الغزو. لذلك من الضروري أن ينتبهوا لما يحاك لهم من مؤامرات في كواليس السياسة الغربية. وأفضل نصيحة أقدمها بكل تواضع تستند إلى آية من الذكر الحكيم وسورة المائدة بالذات: "عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه". في العراق لم يتعظوا بهذه الآية الكريمة وانتقموا من السلف والخلف. وحدث ما حدث. ليشرح الله صدر التونسيين كي يستوعبوا ما أوحي إلى نبيهم.
والله من وراء القصد
وإلى اللقاء