تونس .. عدم الرغبة العربية في العمل
ابتهج الكثير لتلك الصحوة التونسية العارمة التي أسقطت الرئيس التونسي، ولكن المرض الإسلامي والعربي التنموي سوف يستمر يلازمنا لمده طويلة. أسهل مثال على ذلك هو أن الغالبية العظمى من المواطنين التونسيين في الشارع تعتقد أن السبب الرئيس في الإشكاليات الاقتصادية هو أن الحكومة فاسدة، وأن النخب استطاعت وضع الملايين في جيوبها، وقد ظهر ذلك واضحا حين طالب الكثير منهم بأن تعطيهم الحكومة وظائف للعيش مقابل تنازلهم عن الحقوق أيا كانت؛ ولذلك يصعب أن يتفاءل المراقب تجاه بناء تونس بعد تلك النشوة الغريزية. على الرغم من تواجد الفساد والمحسوبية والتسلط، إلا أن هذه لم تكن السبب الرئيس في فشل تونس اقتصاديا؛ لذلك فإن التحدي الكبير لتونس نخبا وقيادة وشعبا هو مدى جدية البرنامج التنموي فكرا وعملا.
كثيرا ما يصحب الحديث عن تونس مقولة إن تونس شعب متعلم؛ ولعل هذا هو مربط الفرس. فالتعليم السطحي غير المرتبط بقوى العمل والإنتاج ما هو إلا رياضة ذهنية ورافع لسقف التوقعات، خاصة في ظل قوة توافر المعلومات استهلاكيا وثقافيا ودغدغة للمشاعر والمقارنات السطحية. يتناسى الكثير أن التعليم تنمويا ما هو إلا أحد المدخلات الاقتصادية لبناء مؤسسات صغيرة أو كبيرة ذات عائد مجزٍ على رأس المال. ولكن العربي اليوم لا يريد أن يسمع هذا الحديث، يرى من الأسهل قبول حقيقة أن القيادات العربية فاسدة وغير مؤهلة (وهذا صحيح جزئيا)، ولكنه ليس الجوهر ولب الموضوع. لب الموضوع هو فشل هذه الدول في اكتشاف تلك النماذج الصالحة اقتصاديا وانخراط الجميع في بناء اقتصادي مقنع. لا بد للناس من القناعة بمصداقية ونزاهة الحكام، ولكن الشرط الأساسي هو الإجماع حول مركزية القيمة المضافة وفهم أن النمو الحقيقي يأتي فقط من خلال الاستثمار المنظم لتوليد عائد على رأس المال الجمعي للوطن؛ هذا بدوره يتطلب جردا وحسابا واضحا وشفافا للمقدرات الاقتصادية وتسخير وصهر تلك الموارد من خلال أفضل النماذج الاقتصادية للبناء والربحية ـــ استخدام العائد على رأس المال لتكوين رأسمال وطني أكبر وأكثر عنفوانا ومرونة لتوظيف الناس معنويا وماديا. مع الأسف التفكير في المنطقة لا يقود إلى هذه المعادلة.
نحن ما زلنا في أقرب الدوائر الحياتية إلى الذهن والعاطفة: في تلك الدوائر السياسية والأيديولوجية وسياسة الهوية، ولم نخترق عالم الإيمان باحترام العمل المنظم وبناء العضلات الاقتصادية. قد اُتهَم بالمبالغة أو حتى التشاؤم، ولكن لا أرى أن هناك تفكيرا تونسيا جديدا أو حتى بين النخب الأخرى في المنطقة. هناك فجوة غير مفهومة بين الرغبة في التقدم وعدم الاستعداد لتحقيق ذلك.
استمعت حديثا إلى سفيري تركيا والهند، وكان واضحا أن السياسة الاقتصادية الحصيفة هي محور البناء. وما النجاح السياسي إلا ثمرة تلك النجاحات الاقتصادية. إذا لم تحقق تونس نجاحات اقتصادية في السنوات القليلة القادمة فإنها ستعود إلى فورة حماس أخرى تنتهي بالتخريب واستهلاك العواطف. ولكن هذا الحديث لن يكون مقبولا لدى الغالبية العظمى في العالمين الإسلامي والعربي والتي تعودت على الفشل منذ قرون وتعمق لديها الإحساس بالمؤامرة والوثب الإيماني. هذا الإحباط قادها تباعا إلى تبني الأحلام الأيديولوجية والاستعداد الفطري إلى القفز إلى المجهول لعل وعسى. وكأن لعل وعسى ليست برنامج تعب وكد لتحقيق عائد على رأس المال. ليس الهدف هو إحباط أحد، ولكن البحث عن الحقيقة وجوهر البناء بدلا من الأيديولوجيات والعواطف.