هذه الدولة الفتية.. وقصتها مع المشاريع العصية!
تعتبر مشكلات البُنى التحتية من المشكلات العصية على الحل في برامج التنمية في السعودية، وإذا أخذنا مدينة جدة ــ على سبيل المثال ــ فإن الحديث عن مشاريع البنى التحتية يحتاج إلى كتب نكتب فيها ما تيسر من الكتابات التي لا تخلو من القصص المضحكات المبكيات.
نحن نتحدث دائماً عن معدلات التنمية التي تحققت بإعجاز في فترة قياسية في السعودية، ولكن نسينا أن بعض المشاريع تستطيع أن تؤذي وتلغي مشاريع كثيرة أخرى، فمثلاً مشروع الصرف الصحي في مدينة جدة استغرق أكثر من 50 عاماً، ومع ذلك لم ينته المشروع ولا نستطيع أن نقول متى ينتهي؟
وإذا استعرضنا تاريخ المشروع نجد أننا نتحدث عن أكثر من نصف قرن صرفت الدولة دم قلبها من أجل أن َتفرح وُتفرح سكان جدة بمشروع متكامل للمجاري، ولكن للأسف رغم ذلك المال الوفير الذي صرف على المشروع فإن المشروع لم ينته، بل الأشنع من ذلك من غير المعروف متى ينتهي؟!
وقبيل أيام قلائل أدلى الأمير الدكتور منصور بن متعب وزير الشؤون البلدية بتصريح للإعلام قال فيه: إن 80 في المائة من الأمراض في مدينة جدة سببها عدم استكمال تنفيذ مشروع الصرف الصحي، ونحن نضيف إلى هذا الكلام المهم الذي فاجأنا به سمو الوزير بأن المباني في جدة بدأت تشكو من غياب مشروع الصرف الصحي وبدأت أساساتها تتآكل وتفقد قوتها بسبب الأملاح التي تفرزها مياه الصرف الصحي والتي باتت تسيح في باطن الأرض ثم تتسلل إلى أساسات المباني وتنخر فيها وتضعفها، وليس بعيداً أن يأتي يوم وتبدأ العمائر تبعث إلينا إنذارات السقوط.
وما قاله الأمير الدكتور منصور بن متعب وهو مسؤول كبير في السلطة التنفيذية يبعث على الأسى والحزن، فهذه المدينة التي صرفت الدولة عليها المليارات من الريالات من أجل أن ُتجمّلها وُتنعش الحياة فيها.. باتت بيئتها ُتلحق أضراراً بصحة سكانها.
المعضلة الجديدة هو أننا بعد أكثر من نصف قرن من المال والجهد ما زلنا لا نعرف إلى أين يأخذنا مشروع الصرف الصحي، ومتى ينتهي، هل ينتهي في عام 2020 أو في عام 2030 أو في عام 2040؟ وإذا انتهى في واحد من العقود المذكورة هل يتحمل المشروع الاكتظاظ السكاني في هذه المدينة الذي يتزايد بمعدلات عالية جداً، أم أن المشروع سيئن ويشكو من قسوة التحميل ويطالبنا بمشروع جديد للصرف الصحي يتناسب مع الأعداد المتزايدة التي ستسكن هذه المدينة الونيسة، وعندئذ ندخل من جديد في 50 سنة أخرى وربما أكثر لمشروع جديد للصرف الصحي!
والمؤسف أن مشاريع البُنى التحتية المتعثرة في مدينة جدة ليست فقط مشروع الصرف الصحي، فهناك مشروع تصريف مياه الأمطار والسيول، كلنا نعرف أن الأمطار تأتى وفي جعبتها الفرحة والخير للناس أجمعين، ولكن بعد كارثة شرق جدة التي حدثت في عام 2009 لم تعد الأمطار مجلبة للفرح والسعادة، بل بالعكس أصبحت الأمطار تثير الفزع وتقبض فرحة القلوب، وهذا المشروع كرفيقه مشروع الصرف الصحي بدأ في عام 1960، وما زلنا حتى الآن نبحث عن سلسلة من المراحل للوصول إلى الاحتفال بنهاية تنفيذ مشروع تصريف مياه الأمطار والسيول، ولكن لا يبدو في الأفق موعد لقرب الاحتفال بنهاية سعيدة لهذا المشروع!
ومشروع تصريف مياه السيول والأمطار فيه الكثير من المآسي، فهو مشروع تم اعتماد تنفيذه، ثم ُصرفت الأموال لإلغائه وقفل مجاريه وقنواته.
وثالث الأثافي للمشاريع المتعثرة في مدينة جدة مشروع المياه العذبة، فجدة تشكو فقرها المدقع من المياه، وإذا أجَلْنَا أنظارنا في شوارع جدة نلاحظ نوعين من السيارات، وايتات تحمل مياه البيارات، ووايتات تحمل مياه الشرب المحلاة، وبين قاطرة طويلة من الوايتات العذبة والوايتات القذرة يعيش الناس عطاشى وحيارى!
وتعتبر السعودية من أكثر بلدان العالم شحاً في المياه، حيث لا توجد فيها أنهار أو بحيرات أو ما ُيسمى ''المياه المتجددة''، وبمقدار ضراوة هذه المشكلة، فإن الحكومة دفعت بسخاء لتوفير المياه والكهرباء معاً وبأسعار لا تقاوم ولا تزاحم.
ولقد أشارت مجموعة من الدراسات التي نشرت أخيرا عن أزمة المياه في السعودية بأن الطلب اليومي على المياه سيرتفع إلى 11 مليون م3، وأن الاستثمارات المطلوبة لتوفير المياه ستصل إلى 300 مليار ريال.
والسؤال المهم: ما الحل، وما السبيل إلى إنهاء هذه المشاريع التي استغرقت أكثر من نصف قرن وأنفقت عليها الدولة دم قلبها ومع ذلك لم تشهد نهاية سعيدة بعد؟
المشكلة في هذه المشاريع هي مشكلة إدارية بالدرجة الأولى، لأن هذه المشاريع مرتبطة بسلسلة من الإجراءات التي تفتح باب الفساد الإداري والمالي على مصراعيه، ولأن الفساد يرتع في حقول هذه المشاريع، فإن هذه المشاريع أصبحت رهينة في يد الفساد الإداري، وعلى الدولة أن تحرر هذه المشاريع من كل مشاكل البيروقراطية الإدارية، وأن ُترسّيها على شركات عالمية لها خبرات طويلة في هذا النوع من المشاريع، ثم تربط علاقة هذه الشركات بأناس مباشرين خصهم الله ـــ سبحانه وتعالى ـــ بمخافة الله، وديدنهم الإخلاص للوطن وقضاء حوائج الناس ولا تلومهم في الحق لومة لائم.