رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


بِنْيَة التخلف بين «ساهر» وبصمة الحضور

عندما ذهبت للدراسة في الخارج كان في ذهني تصورات متضاربة عن حجم استخدام التقنية هناك ومقدرتي على التعامل معها، وكنت أستعد - كما كان يقال لي - للصدمة الحضارية، لكن الحقيقة جاءت مختلفة. فلم تفاجئني التقنية كما توقعت؛ فكل ما كان هناك كان موجودا هنا. وفي اعتقادي - وذلك ليس مبنيا على دراسة - أننا من أسرع شعوب الأرض امتصاصا للتقنية البسيطة المتداولة، التي يمكن تسميتها (التقنية السفري أو Tech Take Away) تقنية سهلة النقل سهلة التركيب؛ لذلك لم تصدمني التقنية ولم أجد صعوبة في فهم الثقافات المصاحبة لها، لم تصدمني الحضارة الغربية كما كنت أستعد لها. كنت أجد هناك أرقى أجهزة التصوير والحاسبات الآلية والطباعات الإلكترونية وبطاقات التعريف التي تفتح الأبواب المغلقة وفقا للتصريحات الممنوحة لها، لم أجد صعوبات في فهمها والتعامل معها؛ ذلك أن الأمور تأتي دائما في سياقها الطبيعي وفقا لمتواليات منطقية، فنتيجة سؤال تقودك إلى إجابة السؤال الذي يليه، لقد فهمت هناك معنى الفلسفة وعلاقتها بسلوك الناس. عندما يصبح كل شيء منطقيا وفي سياق منطقي يصبح التعامل معه سهلا. عندما تجد في يدك كيسا من القمامة فلا تستغرب ظهور سلة مهملات بجوارك وكأنها تنتظرك، وستجد أيضا عبارة تهديد صريحة ومؤدبة لو خالفت النظام ولم ترمِ القمامة في مكانها الصحيح. عندما تقف أمام باب مغلق فإنك حتما ستجد في جيبك بطاقة إلكترونية لفتحه أو موظف مختص سيخبرك لماذا لا يحق لك الدخول. عندما يطلب منك أن تقف لتضع بصمة يدك لإثبات حضورك أو انصرافك فإنك حتما ستجد وسيلة نقل سهلة وآمنة وفي الوقت المحدد لتنقلك من بيتك إلى مقر عملك. تلك هي المنظومة الحضارية التي ''لم تصدمني''.
عندما عدت، كنت متحمسا لتطبيق كل السلوك الحضاري الذي تعلمته، لكنني أصبت هنا بالصدمة الحضارية. صدمة بين ما يجب عليّ تطبيقه من سلوك كنت مقتنعا به تماما وسلوك أصبحت مجبرا على فعله. كيف أنك تجد وسائل تقنية عالية بلا بيئة ضرورية للتطبيق، تجد أنظمة وقوانين صارمة، بينما لا تجد الرصيد الفلسفي الذي بنيت عليه. كيف تجد نفسك أمام باب مغلق لا تعرف طريقة لفتحه، بينما في جيبك عشرات المفاتيح والبطاقات الإلكترونية، كيف تجد نفسك أمام بوابة رائعة التصميم ورجال أمن صارمين في زي أنيق، لكن عليك أن تتصل بعميد الكلية كل يوم ليقنع موظفي الأمن بأنك عضو جديد ولك موقف خاص. كيف تجد في يدك كيسا من القمامة ولا تجد صندوقا تضعها فيه، إلا أن تحملها معك مسيرة يومين، ليقابلك أصدقاء يظهرون دوما في مثل هذه الأوقات يسألونك ماذا تحمل؟.. كيف أنك تجد الحصان وتجد العربة، ولكن لا يوجد ما تربط به الحصان ليجر العربة، ولا تكن مندهشا إذا وجدت في العربة جهاز الـ GPS. كيف تجد نظام ساهر من خلفك ونظام بصمة الحضور والانصراف من أمامك، بينما تقف في حشد من مئات السيارات أمام سلسلة لا متناهية من الإشارات المرورية وساعة معلقة في مبنى مجاور تهزأ بك وعليك أن تتخذ قرارا. إذا لم تخالف نظام المرور؛ خوفا من ''ساهر'' فإنك ستتأخر عن موعد الحضور بنصف ساعة يوميا (تقريبا) وستضطر للخروج قبل نهاية الدوام بنصف ساعة أيضا، وهذا يعني خمس ساعات أسبوعيا، أي ما يعادل 20 ساعة شهريا، أي أنه سيخصم على الموظف ثلاثة أيام عمل، أي ما قيمته 600 إلى 700 ريال في متوسط راتب ستة آلاف ريال. بينما لو اتخذ قراراه بمخالفة النظام المروري، وجاء ''ساهر'' من ورائه فإنه سيدفع يوميا 300 ريال في المتوسط أي ستة آلاف ريال شهريا (ولا تقل ليته قام مبكرا ليتجنب كل ذلك، فالدوام لدينا يبدأ الساعة الثامنة صباحا ولديهم الساعة التاسعة، والموظف لدينا يخرج من بيته الساعة السادسة والنصف صباحا تجنبا للزحمة وليته تجنبها)، وهكذا سيتخذ قراره بالتأخر عن العمل كأهون الضررين، وسيُتَهم بالتقصير في عمله وأنه متخلف حضاريا. ناهيك عن مشكلات المواقف في الدوائر الحكومية، التي يضطر الموظف للتوقف أمام المبنى بشكل مخالف لنظام المرور ليلحق بنظام البصمة ويعود ليبحث عن موقف ليصحح خطأه المروري، مخالفا بذلك نظام العمل. فهو مختلف شاء أم أبى، إن التزم بنظام العمل وخالف المرور فهو متخلف إن خالف العمل التزم بالمرور فإنه متخلف.
إن الشعب السعودي شعب متعلم ومثقف وراقٍ يحب التقدم الحضاري ويحترمه إذا جاء في سياقه الطبيعي المنطقي، ويتمرد عليه كلما جاء في قوالب قانونية فارغة؛ لذلك لا مجال على المراهنة بالقول إننا نحترم القوانين والأنظمة في الخارج ولا نحترمها هنا، القضية ليست قضية احترام نظام، القضية قضية احترام العقل والإنسان، قضية النظام القاسي ليصنع الفرق والرحمة والنظام القاسي لمجرد القسوة. قضية النظام والتقنية التي تأتي في بيئة وبنية حاضنتين ونظام يأتي بلا بنية ولا أحضان.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي