قمة شرم الشيخ .. الاقتصاد أولا وأخيرا
تأكد للقيادات العربية أن الاقتصاد هو السبيل الأفضل لنجاح منظومة العمل العربي المشترك، أمّا السياسة، فإن لها بعدا دوليا سبق أن عرقل كل مشاريع التضامن العربي وأصاب قضاياه المصيرية بالفشل والإحباط.
ولذلك دعت جمهورية مصر العربية ودولة الكويت إلى قمة اقتصادية عربية تبحث الشأن الاقتصادي فقط، وتعقد القمة الاقتصادية دوريا للبحث في سبل التعاون والتكامل الاقتصادي، وأعربت الكويت عن ترحيبها بأن تعقد أول قمة عربية اقتصادية على أراضيها.
وهكذا عُقدت أول قمة اقتصادية عربية في الكويت في عام 2008، وتعد قمة الكويت الاقتصادية - بكل المعايير - من أنجح القمم العربية، حيث خرجت هذه القمة بمجموعة قرارات اقتصادية على جانب كبير من الأهمية لضمان مستقبل العمل العربي المشترك.
وبعد النجاح الذي حققته قمة الكويت الاقتصادية تُعقد في شرم الشيخ في مصر في الفترة من 15 إلى 19 كانون الثاني (يناير) 2011 القمة العربية الاقتصادية الثانية.
ويتضح من أهمية هذه القمة أنها تُعنى بمناقشة أربعة مشاريع اقتصادية عربية على جانب كبير من الأهمية لدعم أواصر اللحمة بين دول العالم العربي. وتتمثل المشاريع الأربعة في مشروع الربط الكهربائي العربي بين ثماني دول عربية كمرحلة أولى، أمّا المشروع الثاني الذي ستبحثه قمة شرم الشيخ فهو مشروع مد خطوط الغاز العربي إلى ست دول عربية كمرحلة أولى، والمشروع الثالث هو مشروع إقرار لوائح النقل البحري بين الدول الأعضاء في الجامعة العربية، أمّا المشروع الرابع والمهم فهو مشروع صندوق دعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة الذي وافق عليه وزراء المالية العرب ودخل بالفعل مرحلة الاستكمال، ولا يبقى إلاّ إقرار تنفيذه من قمة شرم الشيخ.
والرائع أن هذه المشاريع الأربعة ستأخذ طريقها إلى التنفيذ الفعلي بعد موافقة القمة عليها وسترى النور مباشرة.
وواضح أن تأثير تنفيذ المشاريع الأربعة المختارة بعناية وحكمة على الواقع العربي.. سيكون إيجابيا وعمليا وفوريا، وهو ما كانت تفتقده المشاريع التي كانت تتوه في السياسة؛ لأن الأبعاد الدولية في السياسة - كما أومأنا - لها دهاليزها الشائكة، وهي مليئة بالعوائق والتعقيدات والحسابات المغرضة والمعقدة، ولا سيما أن المجتمع الغربي له حساباته وولاءاته للدولة الصهيونية الربيبة إسرائيل.
ونعتبر أن التوقيت الحالي لتنفيذ هذه المشاريع مناسب جدا لمواجهة مشاريع التقسيم والتفتيت للدول العربية التي ينشط الغرب في تنفيذها في هذه الأيام، والتي بدأت بالعراق، ثم نزلت إلى السودان وقسّمته إلى شمال وجنوب، وهي الآن في طريقها إلى مصر (المسلمين والأقباط)، ثم اليمن (شمال وجنوب)، ثم سورية ولبنان والمغرب، وهي مشاريع - لا شك أنها - تهدد السلم الاجتماعي العربي والأمن القومي العربي والوحدة الوطنية في كل الأقطار العربية.
وواضح من خلال جدول أعمال القمة العربية الاقتصادية التي ستعقد حالا في شرم الشيخ أن جدول أعمال القمة لم يكن مثقلا بقائمة طويلة من القضايا المهمة وغير المهمة، بل دخل المؤتمر مباشرة - كما أوضحنا - في إقرار تنفيذ أربعة مشاريع مهمة وتأثيراتها مباشرة على المواطن العربي وفي السوق العربية، فلا ينكر أحد أن الربط الكهربائي بين الدول العربية يمسّ كل مواطن عربي في أي مكان من الوطن العربي الكبير، كما أن إمدادات الغاز ستفتح آفاقا اقتصادية لكل الدول التي يمر الغاز في أراضيها، كما أن تسهيلات النقل البحري ستفتح مئات الوظائف للشباب، وستساعد على دعم التجارة البينية بين جميع أنحاء الدول العربية وترفع معدلاتها إلى أعلى المستويات الممكنة.
أمّا صندوق دعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة فإن حرص القمة على جعله متاحا للمواطن العربي فورا عقب انفضاض اجتماعاتها.. يعتبر بادرة غير مسبوقة وسيكون تأثيرها في السوق الاقتصادية العربية مباشرا وفوريا، وستتردد أصداؤه عند كل الشباب العربي وكل رجال الأعمال العرب في كل أنحاء الوطن العربي من المحيط إلى الخليج.
ولا شك أن فكرة تنظيم ثلاثة منتديات عربية يتزامن انعقادها مع انعقاد القمة الاقتصادية العربية فكرة ذكية وعملية، ولا سيما أنها تهدف إلى توسيع قاعدة المشاركة في النقاش حول منظومة التنمية الشاملة في كل الوطن العربي، سواء على محور منتدى الأعمال، أو منتدى المجتمع المدني، أو على محور منتدى الشباب.
إن أهم ما يلفت النظر في مشروع تنفيذ المنتديات الثلاثة جنبا إلى جنب مع القمة الاقتصادية العربية هي محاولة إطلاع القادة العرب على مقررات المنتديات الثلاثة، وبالذات ما يتعلق بسبل إدماج التكنولوجيا الجديدة والمستدامة في الجهود التنموية، في محاولة لحلحلة وحل مشاكل التنمية في كل الدول العربية، واستخدام التكنولوجيا في مختلف القطاعات العربية من أجل تحسين موقع الدول العربية في مجال تقسيم العمل العالمي في السوق العربية المشتركة.
ولذلك فإن تنظيم المنتديات تزامنا مع القمة سيفتح أبواب النقاش لترسيخ أهمية الاستفادة من هذه المشاريع غير المسبوقة.
وواضح أن القمة الاقتصادية العربية التي ستعقد في شرم الشيخ تعتبر من التجارب العصرية التي تتواءم مع عصر العولمة وعصر تكنولوجيا المعلومات، وهي قمة تتجه بقوة نحو العمل بعيدا عن الشعارات التي كانت تزخر بها القمم العربية التي تناقش السياسي والدبلوماسي.