رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


كيف يحتفل السويديون ولماذا؟

لقد غصنا في مسائل فكرية عميقة وربما عويصة في هذا العمود. وبما أنني أعيش الآن في السويد، البلد الذي يجذب اسمه كثيرين من القراء، عقدت العزم أن أتطرق إلى ما يجري في هذا الجزء النائي من العالم بين الفينة والأخرى.
وبدءا، أقول ليس كل شيء جميلا في السويد كما يتصور بعضهم. البلد يطفو على بحر من الرفاهية المادية والفكرية. الرفاهية المادية وصلت درجة لا يقبلها العقل السليم لأن يبدو أنه لا حدّ لجشعها. أما الرفاهية الفكرية فهي مطلقة العنان في شتى المناحي إلا ما يخص الحرية المؤسساتية - أي دور السلطة - الذي يكتوي من ضربات سوطه الناس دون أن يشعروا.
وأكتوى كثير من المفكرين هنا بدور السلطة، الإعلامية وغيرها، في تحليلها للعملية الانتحارية الأخيرة التي وقعت في استوكهولم. العملية بشعة ومدانة ـــ هذا لا جدال فيه ـــ ولكن الطريقة التي قرأتها السلطة للناس هنا كانت أحادية الجانب بعيدة عن النزاهة في الخطاب ويظللها النفاق في بعض جوانبها. وستكون قراءتها موضوع الجمعة المقبلة.
ولنتوقف اليوم أمام مسألة إيجابية تحتم علينا رفع القبعة لهذا البلد، الذي استطاع بناء قاعدة صناعية وعلمية وبنية تحتية تحسده عليها دول العالم. وفي مقدمة ركائز بنية السويد التحتية تأتي المواصلات. والنجاح المنقطع النظير الذي حققته في هذا المضمار في العام الماضي والفرح الذي رافقه حفزاني على طرحه في هذا العمود.
وربما لن أجافي الحقيقة إن قلت إن غير السويدي قد لا تغمره السعادة بهكذا إنجاز. وقد لا يخطر في بال القراء الكرام أن نجاحا كهذا يستحق كل هذا الثناء والبهجة. السويديون احتفلوا ومعهم صحافتهم وإعلامهم لأن الإجراءات الصارمة التي اتخذوها بحق المخالفين من السائقين في العام الماضي خفضت وفيات أحداث الطرق إلى أقل من 300 شخص - وهذا الرقم قياسي ليس بالنسبة إلى السويد وعدد سكانها وعدد المركبات فيها بل بالنسبة إلى العالم أجمع.
يبلغ عدد المركبات الشخصية في السويد أكثر من 4.5 مليون سيارة لسكان يبلغ تعدادهم تسعة ملايين. الفرحة بالنسبة إلى السويديين تنبع من حقيقة أن ضحايا حوادث الطرق بلغوا أكثر من 1300 شخص في عام 1960 في حين كان عدد المركبات الشخصية لا يتجاوز 1.5 مليون وعدد سكان نحو نصف ما هم عليه الآن.
هذا لا يعني أن الشعب السويدي يحترم القوانين وأنه شعب حضاري يفوق بتحضره وقيمه الأخلاقية الشعوب الأخرى. هذا خطأ كبير نقع فيه نحن الشرقيين. الشعب السويدي يهاب الشرطة والأمن ويخشى سلطة الدولة. الفرق أن السلطة هنا شفافة وتطبق بدرجة عالية العدالة على الكل. السويديون سواسية كأسنان المشط أمام القانون. لم يتم هذا الإنجاز لأن السويديين يلتزمون القوانين من ذوات أنفسهم. تم هذا الإنجاز بعد أن صممت الشرطة على تطبيق أقسى العقوبات على المخالفين تبدأ من غرامات مالية ضخمة قد تصل إلى ما يعادل 600 دولار لمخالفة مرورية قد تكون عادية في بلد آخر وقد تصل إلى الحبس.
لولا خشيتهم من السلطة وإجراءاتها القاسية والحازمة لأصبح شأن المرور في هذا البلد المتمدن شأن العراق، حيث في غياب السلطة يوجه حراس قائد ميليشية معينة بنادقهم صوب الآخرين وهم يقودون مركباتهم عكس السير شأنهم في ذلك شأن الغزاة الأمريكان ومدرعاتهم ومرتزقتهم وهم يجوبون الشوارع في بغداد.
والشرطة السويدية تمتاز بدهاء كبير فترى أفرادها يحملون كاميراتهم وهم مختبئون تحت شجرة أو منزوون في أمكنة لا يتصور المرء أن الشرطة قد تختبئ فيها. والويل وثم الويل للسائق الذي يحتسي الكحول ويجلس وراء المقود. وهكذا يفضل السويدي المشي على الأقدام بدلا من السياقة إن كان قد احتسى قطرات من النبيذ.
ومع كل هذا الكم الهائل من المركبات قلما تحدث اختناقات مرورية وإن حدثت في مسار تبلغ الشرطة السائقين، وذلك بقطع البث الإذاعي أو من خلال الهاتف النقال، عن المسالك البديلة للتخلص من الزحام. وتراقب الطائرات السمتية حركة السيارات وسرعتها على الطرق بين المدن. وتزداد غرامة السرعة صعودا وقد تصل إلى سحب إجازة السياقة إن فاقت أكثر مما هو محدد ب 30 كلم في الساعة. وهذه عقوبة قاسية جدا لأنها تحرم صاحبها من قيادة السيارة مدة زمنية طويلة قبل أن يبدأ إجراءات الحصول على إجازة سياقة جديدة ، التي قد تصل تكاليفها إلى آلاف الدولارات.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي